Search This Blog

Loading...

Saturday, 11 June 2016

غياب كارل ماركس العثمانية الجديدة .. وموت نصف أردوغان


الإعلام تايم– مقالات وأراء


بعض الأقدار لانفهمها ولانقدر أن نفهمها مهما كان إيماننا عظيماً .. ونبقى حائرين ونسأل الله أسئلة فيها عتاب .. ولكن من ذا الذي يعاتب الخالق على الأقدار إلا من لايفهم مزاج الأقدار .. فحتى الله نعاتبه عندما لانفهم أقدارنا .. وربما لاتوجد منذ انطلاق الحرب على سورية مدينة يحق لها أن تعاتب الله على أقدارها مثل مدينة حلب التي شاء لها القدر أن تكون على تخوم قبر عثماني نبشت جثته التراب وخرجت من القبر العتيق .. جثة عمياء عيونها بيضاء بلا أحداق وأصابعها لاتزال تحمل آثار دم سوري عمره 400 سنة من مرج دابق إلى السفر برلك .. وهذه الجثة تريد أن تتعلق بأي شيء خوفاً من أن تنزلق إلى القبر ثانية .. قدر حلب أنه لايمكن للحلم العثماني أن يبدأ إلا بها ولايموت إلا فيها .. لأنه ولد منها ولأنه مات فيها .. ففي معركة مرج دابق قرب حلب ولدت الامبراطورية العثمانية .. وكانت في حلب أيضاً آخر معركة للعثمانيين قبل خروجهم نهائياً من الشرق في تشرين الأول عام 1918 .. وباندحارهم من حلب في ذلك الشهر أعلن عن استسلام جميع القوات العثمانية وتخلي السلطنة عن كل بلاد الشام والعراق والحجاز واليمن .. أي كل مايحد تركيا جنوباً .. بدءاً من حلب ..
أقدار حلب أنها المدينة التي تمسك بيدها مصير الامبراطورية العثمانية وهي التي تحدد لها البداية والنهاية وتقرر أنفاسها .. في الماضي والحاضر .. ولهذا فان الجثة المتعفنة التي خرجت من القبر تمسك أصابعها المهترئة بثوب حلب وتتعلق به وهي تسحل على الأرض دون أن تتركه لأن من انزلقت أصابعه عن حلب انزلق إلى القبر العثماني ثانية ..

المشروع العثماني يحتضر .. ودليل ذلك هو رحيل داود أوغلو .. لأن رحيل أوغلو عن وجه السياسة ليس رحيلاً عابراً بليعني رحيل نصف الحلم العثماني ورحيل نصف أردوغان .. ومابقي هو نصف مشروع ونصف أردوغان فقط .. وأردوغان اليوم يحيا بنصف قلب ونصف رأس ونصف رئة ونصف عقل ونصف حلم .. والمشروع الذي كانت تجره ثلاثة بغال عثمانية (غول وأوغلو واردوغان) لم يعد يجره اليوم إلا البغل الأخير العثماني أردوغان وحيداً منهكاً ..ولكن نهايات الحرب السورية بدأت تتضح معالمها .. منذ أن رحل أوغلو .. فهذا الرجل رفع شعار صفر مشكلات وكان المعنى الظاهري له هو حل التوترات المزمنة مع كل الجيران بتنازلات متبادلة .. وكان المعنى التنفيذي الحقيقي له هو تنصيب الاخوان المسلمين على ضفاف السلطنة الجديدة في قوس الأزمات والمشكلات المحيطة بتركيا بحيث تكون مناطق تفريخ الأخوان أقاليم تابعة للنفوذ العثماني المركزي في استانبول .. وعندها تذوب كل المشكلات المزمنة والتحديات العرقية والاثنية وتخضع لعلاقة الولاء بين المركز والأقاليم .. وهذه هي حقيقة معادلة صفر مشاكل ..

بالرغم من أن عملية إقصاء أوغلو نظرنا إليها على أنها ولائم عثمانية حيث ينهش الأخ لحم أخيه ويمضغه وهو حي كجزء من التراث العثماني والاستئثار بالسلطة فإن علينا ألا نسبر الواقعة سطحياً بمعزل عن عمقها الإيديولوجي ودلالات المأزق العثماني .. فلايجب النظر إلى رحيل أوغلو بشكل عابر واعتبار أن المشروع العثماني لايزال يتمتع بزخمه ويتجول في المنطقة لأن رأسه أردوغان لايزال في السلطة الذي يستند إلى مرجعية دستورية ونصر انتخابي منذ أشهر قليلة .. فالمشاريع لاتبقى حية إذا رحل المؤسسون أو اعتكفوا أو بقي نصفها فقط .. لأن الحقيقة هي أن قلب المشروع العثماني ليس أردوغان بل داود أوغلو .. فهو مهندس الحلم العثماني الذي رسم للحزب الخطة والخطوات الديبلوماسية وأرشده إلى بواباتها (السورية والفلسطينية) وغطاها بغلاف لماع مخصص للتصدير وتبنى أردوغان الخطة التي صممها داود أوغلو وأطلقها على أنها مشروع الجميع في حزب العدالة والتنمية مما أضاف قيمة معنوية لها كون فيها روح الجماعة المسلمة التي تتفانى وتترفع عن المكاسب الشخصية في سبيل نصر الجماعة ..وكان أردوغان الأسوأ من ناحية تصميم النظريات والأقل ذكاء لكنه أفضل من ينفذها بسبب قدراته القيادية والمسرحية وخطابيته التي جذبت الإسلاميين .. وكان علاقته بأوغلو مثل الكسيح والأعمى .. الأعمى أردوغان يحمل الكسيح أوغلو الذي يرشد الأعمى القوي الساقين الى الطريق .. أي أن داود أوغلو هو“كارل ماركس” المشروع العثماني الأممي الإسلامي وصاحب النظرية “الإخوانية الأممية” التي امتصت وابتلعت كل تيارات الأخوان المسلمين في المنطقة وحولتها إلى توابع لها وقيادات ببغائية بعد أن كانت التيارات الإخوانية في المنطقة مستقلة نسبياً ولها خطها .. وقد استفاد أوغلو من تصدير النموذج التركي الجذاب الى جماعات الأخوان المسلمين حيث ظهر لها أنها فشلت طوال 90 سنة فيما نجحت فيه نظرية أوغلو في سنوات التي أوصلت الأخوان المسلمين في تركيا إلى ماوصلت اليه من نجاح أهم مافيه أنه هزم القوى العلمانية والجيش الذي طالما أذل الحركات اللاعلمانية في السابق وكبح طموحاتها السياسية مما أضاف قيمة استثنائية له ولنظريته التي اجتاحت جماعات الأخوان المسلمين وأخضعتهم لهيبة نجاحها الأخاذ .. فتحولوا جميعاً الى تلامذة في المدرسة العثمانية الجديدة ..

الشيء الذي لم يقدروا على تمييزه هو أن الأستاذ كان أوغلو وليس أردوغان .. ولكن الانبهار بشخصية أردوغان المسرحية طغى على شخصية الاستاذ صاحب النظرية الذي بقي في الظل يصفق لأردوغان ينتظر أن يدخل التاريخ كأب لنظرية أممية اسلامية .. فيما أردوغان صدق أنه هو المعلم وقائد النظرية الى أن قرر أنه قادر على الاستغناء عن الاستاذ وكارل ماركس حزب العدالة والتنمية وأطاح به وهو يظن أن الأستاذ لم يعد له لزوم أو أنه صار عبئاً على القائد .. بل صار ضرره أكثر من نفعه بعد تعثر النظرية .. ورحيل أوغلو واضع “النظرية الشيوعية العثمانية” هو انكسار النظرية الأممية للإخوان المسلمين التي أطلقها داود أوغلو ويشبه انكسارها انكسار النظرية الشيوعية الماركسية عند تطبيقها مع فارق أنالنظرية الشيوعية الاسلامية التركية انكسرت قبل أن تنتصر وهي في طور التشكل وتصارع للبقاء في تركيا .. كما أن النظرية الشيوعية كانت غنية بالشخصيات المؤثرة مثل تروتسكي ولينين على عكس المشروع العثماني الذي كان أفقه من فيه هو أوغلو ولاأحد ليحل محله .. وغياب واضع النظرية ترك النظرية بلا رأس .. لأن أردوغان ليس إلا حامل النظرية .. وهو بالتالي صار جسداً بلا رأس .. ولن يقدر على حقن الحزب بالنظريات والايديولوجيات المشوقة والاستراتيجيات التي تبهر .. والأحزاب التي تفرغ من الأيديولوجيا وتفقد القاعدة النظرية وتلجأ الى البراغماتية والتغيير تفقد كثيراً من زخمها وجسمها الجماهيري .. وتصبح جسداً بلا دم .. كما يصبح حزبها جسداً بلا عقل ..

نظرية أوغلو انكسرت في سورية لاشك .. والاستاذ لم يستطع إطلاق نظرية صفر مشاكل بخلق نطاق نظيف حوله من المنظومات الأخوانية النظيفة التي تدين بالولاء لتركيا وتذيب كل عناصر الخلاف والتباين وتترجم صفر مشاكل من مرونة سياسية وتنازلات متبادلة مؤلمة ومؤقتة إلى بناء منظومة راسخة دائمة وسدود أسمنتية في وجه كل المشكلات المحتملة وتثبيتها بمسامير تركية قوامها .. كل الجيران صاروا من الإخوان .. الذين يتبعون للدولة العثمانية الجديدة فالمشاكل الآن صفر .. لأن المشاكل هي بين قوى مستقلة وليست بين قوة قائدة ومدارات حولها تدور فيها أجرام إخوانية حول نظام شمسي تركي .. تركيا فيه هل المركز مثل الشمس ..

أردوغان يريد أن يثبت أنه لايحتاج إلى مهندس ومعلم وصاحب نظرية .. ولذلك فانه يلعب في تخوم حلب لعبة قذرة فهويريد أن يخوض معركة ضد الكرد بعد أن تسربوا من بين شقوق نظريات المهندس أوغلو .. يريد أردوغان أن ينتصر فيها أو على الأقل لايهزم فيها .. وهو يناور في حلب ويقصف بوحشية أحياءها كمن يريد أن يعاقبها ويعاقب الجيش السوري الذي يتجه لالتهام داعش في الرقة لأن داعش هي قرة عين أردوغان وهي قلب المشروع الخفي .. وهو يسمع الجميع أنه يضع خطوطاً حمراء على معركة حلب ..لأنها آخر خطوط الدفاع الباقية .. فما بعدها سيعني له تماماً تكراراً لسيناريو المعركة الاخيرة للسلطنة العثمانية في بلاد الشام قبل أن توقع الجيوش التركية المتمثلة بعصابات الإرهابيين صك الاستسلام وتغادر الحدود وتخرج بها تركيا من كل الشرق وتجلس تقضم أظافرها خلف حدودها ..

القيادة السورية والحلفاء يدركون أن تركيا تسير اليوم كدولة نزفت منها الإيديولوجيا وصارت فارغة من المشروع الذي شحنها بالقوة وصار مهندس المشروع الكبير متقاعداً أو محالاً على المعاش .. وهي بداية التراجع والتآكل والهزيمة الميدانية .. والجيش السوري يدرك أن نصف حلم الامبراطورية العثمانية القائم على نظريات أوغلو كامن في نجاح مشروع داعش (مخلب الامبراطورية القاسي) وفي الرقة تحديداً لأنه سيؤسس للتقسيم والانفصال الذي ترعاه تركيا والناتو ويكون خنجراً في ظهر العراق وسورية وإيران .. وأن تجريد أردوغان من الرقة يعني إضعافه كثيراً في حلب .. كما أن إضعافه في حلب سيجرده من الرقة .. والهستيريا التي أصيب بها المسلحون وهم يقصفون المدنيين في حلب لن تغير في الحقيقة هي أن الجيش السوري يقترب من استرداد الشمال سواء بدأ من الرقة أو من حلب بدليل حجم الحشود والسلاح هناك .. وتكامل معادلات أن في تحرير الرقة تسهيلاً لمعركة حلب وأن في خوض معركة حلب تسهيلاً لمعركة الرقة .. وأن كسر داعش يكسر النصرة وكسر النصرة يكسر داعش .. وكسر أي منهما يكسر تركيا ..

لذلك ربما تعاتب حلب الأقدار التي وضعتها في الجغرافيا بجانب القبر العثماني .. ولكن عليها أن تدرك أن المدن التي تولد فيه الامبراطوريات وتدفن فيها الامبراطوريات والنظريات تساوي الكثير في نظر التاريخ وفي عين الله .. ولايمكن أن تكون أقدارها كأقدار مدن الملح الصحراوية ومدن الملاهي والأبراج النفطية .. وإذا اختارت أن تكون مدينة عادية لاتمر بها الامبراطوريات عند ميلادها ومماتها فإنها يمكن أن تكون مدينة من مدن الملح ولاتستحق أن يكون اسمها حلب ..

إن حلب تدفع ثمناً باهظاً لأن الامبراطورية تموت من جديد في حلب .. الجثة الناهضة من القبر تمزق جدران حلب ووجهها وثوبها الأبيض .. والامبراطوريات تحقد كثيراً على المدن التي تقتلها .. فكيف إذا قتلتها مرتين؟؟ ..جثة الامبراطورية القديمة تنزلق ثانية إلى القبر .. والكل يردم القبر ويهيل التراب على وجه الجثة العثمانية .. تراب يهال من أوروبا وتراب يهال من روسية .. وتراب يهيله السوريون والعراقيون والإيرانيون .. والجثة تتلوى وتتخبط والدود الذي ينتشر في أحشائها ولحمها يخرج من فمها وجوفها ويهاجم حلب ويريد أن ينهش الحجر والحيطان .. الجثة المتعفنة تخرج كل ديدانها الملتحية .. وتريد أن يأكل الدود كل الشرق ..
كلما نظرنا إلى حلب وهي تقاتل الجثة العثمانية وديدانها التي تتسرب إلى جسد حلب الأبيض فإننا نرى الجثة العثمانية تتردى في أعماق القبر تنتظر حلب كي تذرو عليها التراب .. ولكن الكثيرين سيحسون بالذل الذي أحس به بدر شاكر السياب الذي وقف يتفرج على بورسعيد تقاتل وحدها العدوان الثلاثي .. فقال لها:يا قلعة النور تدمى كل نافذة فيها وتلظى ولا تستسلم الحجرأحسست بالذل أن يلقاك دون دمي شعري وإني بما ضحيت انتصرلكنها باقة أسعى إليك بها حمراء يخضل فيها من دمي زهرحلب قلعة النور .. لاتستسلم .. ولن نتركها ونكتفي بتقديم دموعنا لها كما فعل السياب وأحس بالذل .. بل إن مدينة تدفن الامبراطوريات مثلها سنهديها دمنا وليس دمعنا .. كي نشاركها النصر ونذرو معها التراب فوق الجثة العثمانية المتعفنة ..


نارام سرجون

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

No comments: