Uprooted Palestinians are at the heart of the conflict in the M.E Palestinians uprooted by force of arms. Yet faced immense difficulties have survived, kept alive their history and culture, passed keys of family homes in occupied Palestine from one generation to the next.
إلى متى نستمر في بيع الأوهام، ونحن نشهد واقع هذه الأمة يتراجع، سواء محلياً، أو إقليمياً، أو دولياً؟
في خطابه، في الذكرى الـ 34 لانطلاق حركة “الجهاد الإسلامي”، دعا الأمين العام للحركة زياد نخالة إلى وحدة الصف الفلسطيني، والتراجع عن أوهام السلام التي اختلقها العدو الإسرائيلي، والابتعاد عن الغمغمة السياسية. وفي هذه الدعوة الأخيرة بلسمٌ لجراح متعدّدة، يعاني جرّاءها الشعبان الفلسطيني والعربي منذ عقود، لأن الغمغمة السياسية هي الحاجز الأخطر بين الحق وأصحابه وبين التاريخ الحقيقي الذي يجب أن يُدرَّس للأجيال وبين ما يدرسونه اليوم من نصوص تُولي اهتماماً لمشاعر أصحاب الشأن والقرار، بدلاً من إيلاء الاهتمام للوطن وسلامته وتعزيز أُسس قوته ومنعته.
الغمغمة السياسية
مرّت، منذ أيام، ذكرى حرب تشرين التحريرية، لكنْ لم تُكتب حقيقة تلك الحرب ومجرياتها، إلى حدّ اليوم، ولم يتمَّ التوصل إلى الاستنتاجات العلمية والمؤكَّدة، والتي تسمي الأشياء بأسمائها، على الرَّغم من أن اتفاقات “سيناء 2″، واتفاق كامب دافيد، وزيارة السادات للقدس المحتلة، دكّت إسفيناً في جسد العالم العربي، ما زلنا نشهد تداعياته الخطيرة ونعيش تبعاته على الأجيال، من دون أن يتمكن أحد من عكس هذا التيار، والإقلاع من جديد في اتجاه مُغاير مقاوم.
وفي الإطار نفسه، حقّق اتفاق أوسلو للعدو الصهيوني ما لم يتمكن من تحقيقه خلال عقود، وأفشل ذاك الاتفاق عمليةَ سلام كانت مبنية على أُسس سليمة ووَفق إجماع وتنسيق عربيين، ومكّن الصهاينة من خوض معركة علاقات عامة بعشرات الدول لمصلحتهم، وفتحَ الأبواب لهم من جانب بلدان لم تكن لتعترف بالكيان الصهيوني لولا الاتفاق الفلسطيني معه. ومع ذلك، لا تنص الكتب المدرسية أو غيرها على حقيقة ما جرى ويجري، ولا تُسَمّي الأشياء بأسمائها، ولا توجِّه اللوم إلى من يستحقون. وهنا، أستذكر قول الله، عز وجل، “يا أهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُون الحقَّ بالباطل وتَكْتُمون الحقَّ وأنتم تَعْلَمون”. لكنْ، هذه المرة، تشملنا هذه الآية حين نغمغم ولا نفصح عن الحقيقة.
أن يلبس الحق بالباطل؛ أي أن يغمغم الحق، أو أن يكتمه، وكلاهما خطرٌ على الحقيقة وقول الصدق، لأن الحقيقة هي التي تهدي إلى القرار السليم، وهي التي تختصر الطُّرُق، وتستثمر الوقت، بدلاً من هدره وإضاعته، أو ما زال البعض يعتبر أن أشخاصاً ما وسمعتهم ومكانتهم أهم من التاريخ وأهم من الأوطان؟ لا قيمة يجب أن تعلو فوق قيمة الوطن وقول كلمة الحق، من أجل مصلحة الوطن وإعلاء شأنه، لأن الكلَّ موقَّتون وعابرون، إلاّ الأوطان والحقائق الناصعة المرتبطة بها.
هناك من يعرضون بعض أحداث تاريخنا بصدق شفوياً، وحين نطلب منهم أن يسجّلوا ما قالوه، يقول البعض منهم: لن يصدّقنا أحد، لأن كل ما نقرأه مخالف للحقائق التي نعرفها بعمق ونتحدث بشأنها.
إلى متى نستمر في بيع الأوهام، ونحن نشهد واقع هذه الأمة يتراجع، سواء محلياً، أو إقليمياً، أو دولياً؟ ومتى سنمتلك الجرأة الأكيدة على أن نؤيّد ما قاله السيد زياد نخالة، وفحواه أن “المشروع الرسمي الفلسطيني”، وأُضيفُ إليه “المشروع الرسمي العربي”، هما أقصرُ من قامات الشهداء، وأقلّ كثيراً من تضحيات الأسرى والجرحى، على امتداد أرض هذا الوطن العربي الكبير، في كلّ أقطاره”؟
في الوقت الذي تنشغل أغلبية دول العالم بإعادة حساباتها بشأن موقعها، إقليمياً ودولياً، والدور الذي يمكن لها أن تؤدّيه أو تطوّره في أحداث تعيد تشكيل العالَم من جديد، نجد الكتلة العربية مبعثرةَ الجهود بين مع من يريد أن يَستبدل بالسيد الأميركي السيدَ العثماني، “كالمستجير من الرمضاء بالنار”، وبين من يعقد آمالاً على الأوهام، التي يسوّقها له الكيان الصهيوني، فيرتمي في حِضنه سراً أو علانية، غيرَ متّغظ من مآل الأمور في دول عقدت آمالها على العلاقة بهذا الكيان، فلم يكتفِ بالغدر بها، بل سخّر كلّ علاقاته وإمكاناته ليُقنع دولاً أخرى باتخاذ خطوات، وبناء سدود، تنغّص عليها مصدر الحياة الذي ترتوي من نسغه. وبين هذا وذاك دول عربية تمتثل لقرارات هي في العمق ضدها، بقدر ما هي ضدّ الأخ الشقيق، لأنها تكرّس الفرقة والانقسام والعزلة، في الوقت الذي يدرك أعداء العرب، قبل حكام العرب، أن فتح حدودهم والتعاون والتنسيق بينهم هي طريق الخلاص الوحيد لهم جميعاً.
البعض، في عالمنا العربي، مزهوّ بانكسار الولايات المتحدة في أفغانستان، وتراجُع الدور الغربي في الإقليم والعالم، بينما ما زال بعض مَن يراهنون على السيد الغربي يتوسّلون كلمة منه يعتقدون أنها قادرة على تغيير مصائرهم ومصائر أوطانهم. وهؤلاء يذكّرونني ببداية الحرب على سوريا، حين احتفل بعض المأجورين بدعوة أوباما الرئيسَ الأسد إلى أن يرحل، معتقدين أن كلمته قَدَرَ لن يتمكّن أحد من تغييره. وفي كِلتا الحالتين الرهان هو على الآخر: إمّا أن ينكسر، وإمّا أن يشكّل منقذاً، ولا هو بباعث الحياة في بلداننا إن انكسر، ولم ولن يشكّل منقذاً لمن لا يعمل ويضحّي، ويُسرع الخطى في بناء وطنه.
مع التسليم طبعاً بأنّ الغرب بعد أفغانستان ليس كما قبلها، وأنّ القطب الغربي يشهد حالة تفكّك وتراجع، يقابلها صعود متسارع للصين وروسيا والهند وإيران، ومنظومات تفكير تؤمن بعالم متعدّد الأقطاب، وبإعادة النظر في العلاقات الدولية، وتقف ضدّ التدخّل في شؤون الدول. وعلى الرغم من ذلك كلّه، فإنّ الوحش الغربيّ المتربّص بالعرب اليوم جاثمٌ على الضفة الأخرى من المتوسّط، حالمٌ بإعادة بناء الإمبراطورية العثمانية على أُسس تنظيم “الإخوان المسلمين” للوصول إلى أهدافه. فالخطر اليوم الذي يهدِّد سوريا والعراق وليبيا وتونس والجزائر، وحتى مصر واليمن ودول الخليج، كما يهدِّد إيران وأرمينيا وعدداً من دول آسيا الوسطى، هو الخطر العثماني الإخواني، الذي يحاول مراكمة أوراقه من خلال ألاعيبه الخبيثة، قبل أن تنكشف نِيّاته الحقيقية. والخوف هو من الانتظار إلى أن تصبح نياته واضحة للجميع، فيكون قد تمدّد واحتلّ وتمركز، واستخدم أدواته ضدّ البلدان والشعوب.
لقد أصبح واضحاً اليوم أنّ الخطر العثماني والخطر الإسرائيلي على أمتنا صنوان. لكن الأخطر من كلّ شيء، بالنسبة إلى هذه الأمة، هو عدم وضوح الرؤية، وعدم الاقتناع بأنّ عوامل القوة أو الضعف تنبع من الداخل، ولا يمكن لأيّ قوّة، مهما عَتَت، أن تنال من بنيان صلب متماسك يُحْسن صانعوه الدفاع عنه. كما أصبح واضحاً أنّ كلّ ادعاءات العثماني بشأن الحرص على فلسطين والذَّود عنها هي ادّعاءات كاذبة من أجل ذرّ الرماد في العيون، بينما يتعاون مع الصهيوني في شبكة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية، تمتدّ من الشرق الأوسط إلى القوقاز وآسيا الوسطى.
مصيبتان كُبْرَيان في تاريخنا العربي هما الخيانة والغمغمة السياسية، والسبب الكامن وراء الاثنتين هو عدم الصدق مع الذات والآخر، وعدم المكاشفة الصريحة، وعدم الجرأة في إعلاء كلمة الحقّ والوطن. لا شكّ في أنّ الوقت أصبح متـأخراً جداً، وأنّ إعادة البناء تتطلّب وقتاً وجهداً وتفكيراً نيّراً وغيرَ تقليديّ. لكن، هل هناك أيّ خِيار آخر متاح من أجل مستقبل أفضل لأُمّة تهدّدها تطوّرات الأحداث في العالم بأن تُبقيَها خارج التاريخ؟
منذ الاحتلال البريطاني للعراق خلال الحرب العالمية الأولى التي انتهت عام 1918 لم تتوقف المحاولات الغربية لاحتواء العراق وخاصة لفصله عن امتداده الطبيعي إلى بلاد الشام حيث التبادل التاريخي والمعرفي والاقتصادي كان معروفاً بين مملكة إيبلا وبلاد الرافدين. وتشهد الرقم التاريخية والتطور الزراعي على التفاعل والتكامل والانسجام الحضاري والحياتي بين سورية والعراق على مرّ التاريخ إلى أن بدأت بالسعي لإلحاق العراق بسياساتها وربطه بمعاهدات متعددة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وصولاً إلى حلف بغداد عام 1955 والذي كان يضم بالإضافة إلى المملكة المتحدة كلاً من العراق وتركيا وإيران الشاه وباكستان.
لقد كان الهدف الأول لهذا الحلف هو محاولة وقف نفوذ الاتحاد السوفييتي الذي كان قد وطّد ووسّع علاقته في تلك الفترة مع سورية ومصر. ومع أن الولايات المتحدة هي صاحبة فكرة إنشاء هذا الحلف ووعدت بتقديم الدعم الاقتصادي والعسكري للأعضاء إلا أنها لم تشارك فيه بشكل مباشر وإنما وكّلت بريطانيا للقيام بذلك، ولكن العراق انسحب من الحلف بعد ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي الهاشمي وأعلنت الجمهورية واستقلّ العراق لأول مرة من النفوذ البريطاني، وانتقل مركز الحلف بعد ذلك من بغداد إلى أنقرة، وأقام العراق علاقات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية مع الاتحاد السوفييتي، وبذلك أخفق هذا الحلف في وقف توسع نفوذ الاتحاد السوفييتي الذي وطّد علاقاته مع الدول العربية في تلك الفترة. ومع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 أطلقت رصاصة الرحمة على حلف بغداد الذي اعتُبر من أضعف الأحلاف التي نشأت خلال الحرب الباردة.
ولكن محاولات احتواء العراق لم تتوقف وأسوأ تجلياتها على مرّ العقود الماضية كان نشوب الحرب العراقية الإيرانية بعد انتصار الثورة الإيرانية وبذل الجهود المستمرّة والمستميتة لفصل العراق عن عمقه العربي السوري، ومنع حتى إقامة أي علاقة وتواصل بين هذين البلدين المنسجمين تاريخياً وديموغرافياً وجغرافياً وحضارياً لأن التكامل والتفاعل بين سورية والعراق سيؤسس من دون شك لبنة عربية متينة قد تشكل قاعدة ومنطلقاً للعلاقات العربية السليمة والمجزية لكلّ المنخرطين فيها، ولذلك فقد كانت الحدود العراقية السورية دوماً أحد الأهداف الغربية وقد حرصت الدول الاستعمارية الغربية على خلق كافة الحجج والذرائع والمؤامرات لإبقاء هذه الحدود مغلقة في فترات طويلة من تاريخ البلدين.
إذ رغم كل الدعم الذي قدمه الغرب للعصابات الإرهابية منذ 2011 في حربها على سورية ورغم انشغاله في حرب إرهابية تدميرية في الداخل السوري فإن نظر الغرب لم يحد عن هذه الحدود وسعى إلى ضمان بقاء الإرهاب قربها كي يمنع فتحها والتواصل الحقيقي بين الشعبين السوري والعراقي لأن هذا التواصل سيعود بالفائدة الجمّة على البلدين انتماءً وثقافة وعروبة وحضارة واقتصاداً وتكاملاً حقيقياً. ولا شك أن كل الذرائع للإبقاء على هذه الحدود مغلقة تتلخص بأهداف الإدارة الأميركية القديمة الجديدة والتي تريد أن يكون العراق قاعدة للدول المنضوية تحت لواء الغرب وسدّاً في وجه روسيا والصين وإيران وفي وجه دخول الصين خاصة إلى منطقة الشرق الأوسط ومنع قيام أي مسعى وحدوي بين البلدين.
الغرب يعتبر العراق بوابة لنفوذه في الشرق الأوسط، ولا شك أن العراق بعمقه الحضاري ومؤهلات شعبه وثرواته الظاهرة والباطنة يشكّل عمقاً وحدوياً عروبياً وأن فصله عن سورية وإلهاءه بتحالفات غير قابلة للحياة وأثبتت فشلها على مرّ التاريخ يظهران أهمية العراق الحقيقية وإدراك الغرب لهذه الأهمية ومحاولاته تجيير كل مقدرات العراق لصالحه ونهب ثرواته وإلهاء شعبه بالخلافات الطائفية. من هذا المنظور يمكن أن نفهم كل محاولات التدمير والتهميش والاحتلال والحصار والعقوبات للعراق وشعبه على مدى العقود الماضية، وأن كل ما أثير من تهم له من أسلحة دمار شامل إلى غيرها كانت غطاءً بائساً لتنفيذ تلك الأهداف.
ولكن وبعد قرن ونيّف من أساليب وطموحات وطروحات الغرب هذه أصبح من البدهي أن يدرك أصحاب الشأن حقيقة ما يقال ومجافاته للواقع والهدف المراد منه؛ إذ لم يعد مقبولاً اليوم أن يشعر البعض بسعادة غامرة لأن مسؤولاً غربياً قرر أن يحضر مؤتمراً في بغداد وكأنّ هذا الحضور يشكل منّة أو قيمة مضافة في حين يهدف إلى تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه من قبل من التواطؤ ضد نسيج العراق العربي وتواصله مع أهله وجيرانه واختراع تحالفات له لا مستقبل لها ولا تسمن ولا تغني من جوع بل تتركه فريسة لمن يتشدّق بحضارة بغداد، في حين تحلّ قواه العسكرية الطاغية قوة غاشمة على أرض العراق الطاهرة؛ تحتل الأرض وتنهب الخيرات وتدعم الإرهاب وتغزو الأسواق بمنتجاتها العثمانية وتروّج للطائفية وترسل الإرهابيين من الإخوان المسلمين في بلد تاريخه العيش المشترك والغنى الحضاري والتمازج الثقافي.
السؤال الذي يشغل بالي دائماً: لماذا لا نثق نحن العرب بقيمة ما لدينا؟ ولماذا لا نعرف أحياناً أهمية ما لدينا حتى يتم تسليط الضوء عليه من قبل الخصوم والأعداء؛ فنسعى حينذاك جاهدين إلى الاحتفاظ به أو تحريره من عدوانهم دافعين أغلى الأثمان في سبيل ذلك؟ لماذا لا نقتنع أن التكالب الغربي على بلداننا ومؤامراتهم ضدنا والتحالفات التي خلقوها لتمزيق صفوفنا وبناء الحواجز بين شعوبنا تعني أن لدينا ما هو ثمين وما يريدون الحصول عليه أو تدميره إذا لم يتمكنوا من انتزاعه منا؟ لماذا نحتاج إلى اعتراف الآخرين بأن موقعنا الجغرافي وثرواتنا الطبيعية والبشرية وعمقنا الحضاري وعيشنا المشترك عبر التاريخ يشكلون قيمة استثنائية لا يمتلكها الآخرون ويتوجب علينا الحفاظ عليها والاعتزاز بها من دون الحاجة إلى من يعترف لنا بذلك ومن دون الحاجة إلى شهادة من الخصوم والأعداء التاريخيين الذين ما زالوا يحطون من قدر بلادنا إلى أن يستولوا على مقدراتنا ويدمروها.
فهل تحتاج بغداد التاريخ إلى محتل عثماني ومتواطئ غربي كي تعرف قيمتها ومكانتها؟ وهل كانوا ليأتوا إليها لولا إدراكهم العميق لهذه القيمة؟ وهل يجوز أن تمتثل لما يريدون علماً أنهم برهنوا للمرة الألف أنهم يريدون للعراق التبعية فقط والوقوف في وجه التنين القادم من الشرق وأن تكون بغداد والقاهرة وعمّان سنداً لهم في وجه هذا التنين؟ إلى متى ستبقى المرجعية الغربية تذرّ الرماد في العيون ويبقى المستعمر الغربي متمادياً في نشر أوهامه عبر الأجيال أنه الأذكى والأقوى والأعرف؟ متى سيشكل العرب مرجعيتهم الخاصة بهم والمنطلقة من تقديرهم لذاتهم وتاريخهم وإمكاناتهم الاستثنائية ويمضون في التحالفات التي يختارونها هم بإرادتهم الحرة ولصالح شعوبهم وبلدانهم من دون ضغوطات أو إملاءات أو تهديدات من أحد؟ متى يكون الرأي حراً لا يتحكم به سوى الشأن الوطني والمصلحة العربية العليا؟
مراجعة متأنية لتاريخنا العربي، وخاصة لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تُري أن العدو أحكم استخدام التوقيت بينما لم يحسن العرب ذلك.
لا شك أن الوقت هو هبة الله للإنسان، لأنّ الإنسان في النهاية هو بضعة أيام على هذه الأرض، ولكن إتقان التوقيت هو الذي يجعل هذا الوجود مفيداً أو متميزاً أو مثمراً.
بما أننا لا نستطيع أن نغير شيئاً في الأحداث التي مضت، يتوجب علينا الاستفادة منها لقراءة ما يحاك لنا اليوم
وقد عبّرت الأمثلة التي تطرحها شعوب مختلفة عن أهمية التوقيت؛ فالمثل الإنكليزي يقول “التوقيت هو الجوهر”، والمثل الأميركي يقول “التوقيت هو كل شيء”. وقد لاحظتُ من خلال متابعتي لأمور شتّى أن الإنسان يمكن أن يخسر رهانات هامة في الحياة نتيجة عدم اهتمامه بالتوقيت رغم توفر كافة المؤهلات والشروط التي تمكّنه من كسب الرهان فقط لو أحسن التوقيت.
ولاحظتُ حيوية ومصيرية التوقيت وخصوصاً في الإعلام والسياسة؛ فحين تتناقل وكالات الأنباء خبراً تعتبره الخبر الأول؛ حينذاك يمكن لك أن تدلي بدلوك وأن تجد آذاناً صاغية لأنها متعطشة لسماع أي شيء يتعلق بهذا الخبر، ولكن إذا انتظرت لليوم الثاني لن تجد من يستقبل خبرك حتى وإن كان أكثر مصداقية وقيمة من كل ما قيل في اليوم الأول. وهذا ذاته ينطبق على السياسة والأعمال أيضاً.
إن مراجعة متأنية لتاريخنا العربي، وخاصة لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، تُري أن العدو أحكم استخدام التوقيت بينما لم يحسن العرب ذلك، لأنهم لم يعملوا من منطلقات استراتيجية واضحة وكانوا في غالب الأحيان يعالجون ظواهر الأحداث بدلاً من مسبباتها الحقيقية.
وبما أننا لا نستطيع أن نغير شيئاً في الأحداث التي مضت، يتوجب علينا على الأقل الاستفادة منها لقراءة ما يحاك لنا اليوم قراءة معمقة وواعية، لكي نتعامل معها في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان.
لقد صدّر الغرب لنا ومنذ القرن التاسع عشر مصطلح “ميثاق إبراهيم” الذي يجمع بين المؤمنين قبل أن يتحول في القرن العشرين إلى حقل دراسات مستقلة للديانات الإبراهيمية، وطبعاً المقصود فيها اليهودية والمسيحية والإسلام وقبل أن تصدر تفرعاته عن مؤسسات أهلية ثقافية وسياحية في الغرب تتحدث عن الأخوة الابراهيمية العابرة للديانات والشعوب والبلدان، إلى أن انطلقت في العام 2004 رسمياً في جامعة هارفارد “مبادرة مسار الحج الابراهيمي” بدعم من مشروع التفاوض الدولي في كلية الحقوق في جامعة هارفارد وبمشاركة عالمية لباحثين ورجال دين وأعمال وخبراء في السياحة البيئية وآخرين.
وهدف المبادرة هو افتتاح مسار سيراً على الأقدام يسلك مواقع ثقافية ودينية وسياحية يتتبع خطى النبي إبراهيم عليه السلام منذ أكثر من أربعة آلاف عام، ويبدأ المسار من مدينة أور العراقية مروراً بإيران وسوريا وصولاً إلى مدينة الخليل الفلسطينية حيث يعتقد أن قبر النبي إبراهيم الخليل هناك.
وبدأت منظمات أميركية أهلية وغربية تدعو إلى إحياء هذا المسار ثقافياً وسياحياً وروحياً وتتحدث عن فوائده الاقتصادية بينما ركز القادة الأميركان على استغلاله لأهداف أخرى؛ إذ حين أشرف الرئيس جيمي كارتر على اتفاق كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني قال في كلمته “دعونا نترك الحرب جانباً، دعونا الآن نكافئ كلّ أبناء إبراهيم المتعطشين إلى اتفاق سلام شامل في الشرق الأوسط، دعونا الآن نستمتع بتجربة أن نكون آدميين بالكامل وجيراناً بالكامل وحتى أخوة وأخوات”.
وفي عام 1993 حين أشرف الرئيس بيل كلينتون على توقيع اتفاق أوسلو بين إسحق رابين وياسر عرفات قال: “إن أبناء إبراهيم؛ أي نسل إسحق وإسماعيل، انخرطوا معاً في رحلة جريئة، واليوم مع بعضنا بكل قلوبنا وأرواحنا نقدّم لهم السلام”.
وفي عام 1994 وخلال اتفاقية وادي عربة التطبيعية بين الأردن والكيان الصهيوني قال الملك حسين: “سوف نتذكر هذا اليوم طيلة حياتنا لأجل أجيال المستقبل من الأردنيين والإسرائيليين والعرب والفلسطينيين، كل أبناء إبراهيم”.
وفي إطار توظيف الابراهيمية سياسياً برز في الغرب مصطلح “الدبلوماسية الروحية” وتم تعريفه بأنه مسار من مسارات التفاوض تستهدف حل النزاع أو منع حدوثه من أجل بناء سلام ديني عالمي عبر تقارب الديانات الإبراهيمية أو الدين العالمي الواحد.
وفي هذا الإطار ذاته أتت زيارة قداسة بابا الفاتيكان لمدينة أور الأثرية وللمرجعية الشيعية في النجف السيد السيستاني كي يتم إدخال المرجعية الشيعية في هذا المسار بعد أن طبّعت دول عربية أخرى مع الكيان الصهيوني. ولكن اللافت في تلك الزيارة أن قداسة البابا قد اصطحب معه عشر بعثات أثرية للتنقيب عن الآثار في مدينة أور العراقية؛ فما هي علاقة الآثار بهذا المسار؟
تقول الدكتورة هبة جمال الدين مدرس العلوم السياسية في القاهرة، إن الهدف النهائي لهذا المسار هو الكشف عن آثار تُثبت أن الشعوب الأصلية لهذه المنطقة ليسوا العرب بل اليهود الذين تم تهجيرهم من البلدان العربية، والمطالبة بتعويضات لهم ومحو الثقافة العربية وتأسيس اتحاد الأرض الإبراهيمية المشتركة مع رموز دينية جديدة وثقافة جديدة باشروا بالتأسيس لها من خلال تسجيل “المحكي” أو “الحكي”؛ أي توثيق تاريخ جديد من أفواه من يختارون ليحلّ مكان التاريخ الموجود والمعتمد في المنطقة، وقد كتبت الدكتورة هبة جمال الدين كتاباً عن “المسار الإبراهيمي الملغوم” فنّدت فيه الأهداف السياسية البعيدة لهذا المشروع ألا وهي إزالة الحدود وإزالة الانتماء للدول كما نعرفها اليوم، وتقويم المواطنين كمواطنين ينتمون فقط للديانة الإبراهيمية والتي دون شك سيكون الغرب والكيان الصهيوني هما المشرفان على وضع أسس هويتها والانتماء لها.
وقد تبنى الرئيس الأميركي ترامب هذه التسمية في الوثائق الأميركية، ولكن ومنذ فترة أصدر الرئيس بايدن أمراً بشطب مصطلح الإبراهيمية من الوثائق واستبداله بـ “التطبيع “؛ إذ نتذكر أن الاتفاقات الأخيرة التي عقدت بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة وبين “إسرائيل” من جهة ثانية تمت تسميتها بـ”اتفاقات أبراهام”، والسبب أن الرئيس بايدن أمر بحذف هذا المصطلح لأن هوية المشروع بدأت تتكشف للباحثين والمناهضين له فخاف عليه أن يتم إجهاضه واعتبر أن الوقت لم ينضج بعد للإفصاح عن هذا المشروع الخطير والترويج له.
ويأتي هذا المشروع نتيجة فشل الكيان بالتطبيع مع الشعب العربي في مختلف أقطاره رغم أنه وقّع اتفاقيات مع حكومات متعاقبة في دول عربية مختلفة إلا أن هذه الاتفاقيات لم تحظ بتأييد الشعب ولم تترجم على أرض الواقع ولذلك فإن المسار الإبراهيمي يهدف إلى التطبيع الشعبي مستخدمين غطاء دينياً وسياحياً وإنسانياً للحديث عن المحبة والأخوة في الوقت الذي يتم الإبقاء على احتلال الأرض وقتل أهلها الأصليين ونهب الثروات وابتلاع الحقوق.
إن المطلوب اليوم من المرجعيات البحثية والدينية والسياسية في وطننا العربي هو مقارعة هذا التيار بالفكر والحجة والمنطق والحقوق وعدم إغفاله أو السكوت عنه، والتوقيت هو البارحة واليوم وغداً. وألا يُسمح لمثل هذه الأفكار والرؤى أن تصبح جزءاً من المناهج التعليمية حيث تعمل منظمات مختلفة لدسّ هذه المفاهيم في مناهج عربية، وأن يتمّ تفنيد خطورة الاسم والمسمى والأهداف الملغومة المبطنة لمشروع
Any wrong or racist attitude may eclipse the truth for some time, but it cannot do so forever.
Syrian sculptor, Rami Wakkaf
When the black movement in the US raised the motto “Black Lives Matter”, after the killing of George Floyd, the rest of the world should have joined by raising the motto “human lives matter”. So many people in different countries in the world have forgotten that they belong to one human race and one human family, either due to the colors of their skins and eyes, or due to the advanced positions their countries have reached in different domains. Amidst the hard competition we witness among people in different areas, it may well suit some to discriminate against others and belittle their achievements in order to get them out of their way. Athletes competing for medals are perhaps the most exposed to this kind of racism, which lately started to infect unusual territories, such as education and art, which until recently were thought to be totally safe from such practices.
As London Art Biennale is a huge landmark for artists from all over the world, it is important to relate here to our dear readers an important incident that has taken place in 2021 London Art Biennale. The Syrian sculptor, Rami Wakkaf, responded to the invitation to participate in this Biennale by sending two of his works, which were very well received and bought almost immediately by the Biennale. Accordingly, he applied for a visa to attend the event, but of course he was not granted a visa because he is Syrian.
After waiting patiently for the art judges, Rami was told that one of his works has got the prize for the best sculpture in the Biennale. Of course, he was very happy and excited and put the happy item on his Facebook and received congratulations and requests for media interviews.
The next day, and perhaps after the Committee was reminded that he is Syrian, and no need to say that Syria is subjected to coercive US measures, he received a second email, which read that “the vote was very close, and during the jury recount, the artwork by Jason Briggs won that particular prize by one vote,” expressing sincere apologies for the mistake.
Is it possible that the first email, which was sent to inform Rami Wakkaf that his work won the first prize, was sent before the final counting of the votes and before a final decision was made by the committee to choose this work? There is no doubt that the works of Rami Wakkaf would outlive the Committee’s decision and would receive the attention and celebration they are worthy of.
Any wrong or racist attitude may eclipse the truth for some time, but it cannot do so forever. Racism is the antithesis of everything human, creative, and exceptional.
It is the tool of those who fail to achieve and to appreciate the excellence of the achievements of others, and always for the wrong reasons.
People in our region never used to believe that such things may happen in a Western country as they have an exaggerated idea of the absolute moral behavior of the West. But as means of communication are bridging distances, the truth is closer at hand.
The West cannot indulge in racist practices, whilst keeping its moral superiority or its claims that it provides criteria for human behavior and ethics. It has to choose one or the other, or the choice will be made anyway.
The opinions mentioned in this article do not necessarily reflect the opinion of Al mayadeen, but rather express the opinion of its writer exclusively.
هل ستشكّل تونس أوّل الغيث للعودة إلى المرجعيات السليمة بعد دفن كلّ محاولات التضليل المشبوهة، والتي اشترك بها كلّ أعداء هذه الأمة رغم ادعاءاتهم الكاذبة بالخلافات وعدم التوافق؟
الخطوات التي قام بها الرئيس التونسي قيس سعيد ضرورية ولا بدّ منها
لا شكّ أنّ ما تعرّضت له منطقة الشرق الأوسط في العقود السبعة الماضية يعود إلى استحداث الكيان الصهيوني أولاً، وإلى التواطؤ المحكم بين هذا الكيان وحركة الإخوان المسلمين، والاتفاق على الأهداف الاستراتيجية الكبرى بين الحركتين الصهيونية والإخوانية، مع دعم مباشر وغير مباشر من الدول الغربية.
وقد كتب أكثر من إخواني سابق عن دور المخابرات الغربية في تأسيس وتشكيل حركة الإخوان المسلمين في الدول العربية، واستضافة قادتها في العواصم الغربية تحت عناوين إنسانية لا تمتّ للإنسانية بصلة.
فقد نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إي” ما يقرب من 13 مليون وثيقة سرّية على الانترنت وجعلتها متاحة للعامّة. كشفت الوثائق عن النظرة الأميركية للإخوان بصفتهم أخفّ الضررين.
تكشف الوثائق أنّ عدّة لقاءات تمّت بين الولايات المتحدة وممثلين لجماعة الإخوان المسلمين لم تتمّ تسميتهم. وقد حدثت هذه اللقاءات مع عدد من فروع الإخوان في عدّة دول عربية كالأردن وسوريا وشمال اليمن والكويت، مؤكّدين على ولاء هذه التنظيمات الفرعية للجماعة الأمّ في مصر.
والأمثلة أكثر من أن تحصى عن دور الحركة في بلدان عربية مختلفة في ضرب العيش المشترك، وخلق جوّ من التعصّب والتزمّت، واللجوء إلى العنف والتدمير في سبيل تحقيق أهدافهم، وأوّل هذه الأهداف زعزعة استقرار البلدان العربية، ومحاربة الأنظمة الوطنية والقومية والعداء المكشوف لأيّ صيغة وصعوبة.
كما أنّ الأمثلة كثيرة ومنشورة عن علاقة قادة الإخوان بالكيان الصهيوني، وتبادل الرسائل الودّية بينهم، والتأكيد على اشتراكهم في هدف تحويل الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى العدوّ الأول للعرب بدلاً من “إسرائيل”.
وإذا أخذنا سوريا نموذجاً عمّا يجري في العالم العربي، فإننا نجد أنّ الإخوان المسلمين عملوا طوال تاريخهم على استكمال ما قام به العدوّ الإسرائيلي من حروب ضدّ سوريا، فقاموا ببثّ الفوضى والقتل والدمار من الداخل، وشقّ صفوف المجتمع بنشر أفكار التطرف والتكفير ومعاداة النظام السياسي الوطني، والتصويب على العيش المشترك، واستهداف المسيحيين والآشوريين والسريان ودفعهم إلى الهجرة خارج البلاد.
ولم تكن الفتن الدموية التي قاموا بها في الخمسينيات والثمانينيات والحرب الإرهابية التي تمّ شنّها على الشعب السوري عام 2011 من قبل المخابرات الإسرائيلية والتركية والأميركية والبريطانية إلا استكمالاً للمحاولة الإخوانية ضدّ سوريا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
وفي كل مرة يستخدم الغرب إرهابيو الإخوان المدججين بالكراهية والحقد والعنف تحت مسمّيات وعناوين مختلفة من دون أن تختلف أساليب القتل والتدمير، وإن تكن توسّعت هذه المرة لتشمل كلّ مؤسسات الدولة التعليمية والزراعية والصناعية والصحية، وقتل الكوادر، ودفع من لا يُقتل إلى الهجرة في عمل ممنهج لبثّ روح التعصّب والفوضى والكراهية.
ولا شكّ أنّ الإخواني العثماني الجديد، والذي نصّب نفسه زعيماً لأخونة المنطقة والعالم، لعب الدور الأخطر في تشكيل وتشغيل هذه الحركة ضدّ سوريا والعراق وتونس وليبيا واليمن ومصر وحيثما أمكن ذلك.
حين قرّر الشيخ نوّاف البشير مغادرة صفوف المعارضة في تركيا، والعودة إلى الوطن، قال: “لا توجد معارضة سياسية سورية في تركيا أو الغرب، ولكن توجد حركة أخوان مسلمين منظّمة ومموّلة ومسلّحة، تعمل من أجل تغيير هوية سوريا إلى بلد أخواني تابع لإسرائيل وأطماعها”.
واليوم وبعد عشر سنوات من هذه الحرب يكشف الكثيرون الذين استُهدفوا خلالها ونجوا عن الخيوط الخفية بين أحداث الثمانينيات والأحداث التي بدؤوها عام 2011، وأنّ كثيراً من الأسماء قد تمّ البحث عنها، واستهدافها نتيجة الدور الذي لعبته في مقاومة الإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات.
ليس من الصعب على الباحثين المتخصّصين أبداً أن يثبتوا التوافق والتكامل بين الأهداف الصهيونية والإخوانية في منطقتنا، ولذلك فإنّ الأحاديث الرمادية عن التوافق والتعايش بين مجتمعات مدنية درجت خلال تاريخها على العيش المشترك والتسامح، وبين الإخوانيين والعثمانية الجديدة هي أحاديث إما مغرضة أو مغفّلة في أحسن الأحوال. ولا يمكن لمشروعين يعتمدان أسساً متناقضة أن يتعاونا تحت قبة برلمان أو سقف وطن إذ لا بدّ أولاً من الاتفاق على الأسس والأهداف المشتركة.
وفي هذا الصدد، فقد سمعنا من الأخوة التونسيين، وعلى مدى السنوات الماضية، صعوبة العمل والتوصل إلى أية نتائج مرضية وحاسمة لصالح الشعب التونسي، وذلك لأنّ برنامج حركة النهضة مختلف تماماً عن البرامج الوطنية والمدنية والعلمانية الأخرى خاصة أن النهضة باعتبارها الذراع الإخوانية في تونس اتّسم عهدها بالإرهاب والفساد وتجنيد الإرهابيين من بين أعضائها وإرسالهم بالآلاف إلى سوريا لقتل المدنيين الأبرياء.
ومن هنا، ومن خلال المتابعة للشأن التونسي، قد تكون الخطوات التي قام بها الرئيس التونسي، قيس سعيد، مؤخراً، ضرورية ولا بدّ منها من أجل التمكّن من السير في طريق واضح المعالم ومحدّد الأهداف. وقد برهن التاريخ مرات ومرات أن الاسترضاء والمهادنات مع المتطرّفين بمن فيهم الإخوان المتصهينين في الأسس والمبادئ لا يوصل إلى حلول بل يضيع الزمن ويزيد الأمور تشتّتاً وتعقيداً.
ربما هو قدر تونس الخضراء أن ترسل إشارات عن التوجهات المستقبلية للمنطقة، فقد كانت حادثة البوعزيزي هي الشرارة التي تدحرج بعدها ما أسموه بالربيع العربي، بينما كان في الواقع، أو أريد منه أن يكون، جحيماً عربياً أحدث الدمار والقتل والتخريب والفوضى على البلدان التي أصابها.
وقد يكون قرار الرئيس قيس سعيد في 25 تموز/يوليو، إيذاناً مناقضاً ينفض غبار الإخوان عن أعين المتضرّرين، ويساهم في تحقيق وضوح في الرؤية تقود إلى بلورة الأهداف الوطنية والتخلّص من الرماديات وحسم الأمور، وعدم الارتكاز إلى المواقف التي تحتمل الوجهين تحت أيّ ذريعة كانت، لأنّ الوقت ثمين والشعوب متضرّرة، ولا بدّ أن يبدأ العمل بإيمان وقوّة واندفاع لتلافي ما خلّفته السنوات العجاف، والبناء على الأسس السليمة التي تضمن سلامة وازدهار الأوطان.
وبغضّ النظر عمّا تؤول إليه التجربة التونسية وإن كنا نتمنّى وندعو لتونس وشعب تونس بالتوفيق والخير، فإنّ ما حدث يُقدّم درساً على الجميع أخذه بعين الاعتبار بأنّ الوضوح في المسائل الوطنية شرط لازم، وأنّ الغموض والتأرجح والادّعاء بالإخلاص والنزاهة لا يمكن أن تتساوى مع الصدق والشفافية والوطنية الحقّة الواضحة. ولا شكّ أنّ الخطر العثماني الإخواني اليوم هو الخطر الداهم على بلداننا العربية، وهو مناقض تماماً للسيادة والقرار المستقلّ والمصلحة الوطنية العليا.
لقد كشف العثماني الجديد عن نواياه الحقيقية في إصراره على احتلال شمال قبرص، ولا شكّ أنه يحمل النوايا ذاتها لشمال سورية والعراق وليبيا وحيثما تمكن من فرض وجوده وإرسال قواته. ولا شكّ أيضاً انّ حركة الإخوان المسلمين تشكّل الذراع الأهمّ لهذه الاحتلالات والاختراقات، ولا بدّ من مواجهتها كخطر داهم لا يمكن السكوت عنه أو التعايش معه أبداً.
السؤال هو: هل نعيش اليوم بداية صحوة لأحداث ربيع عربي حقيقيّ، وعودة إلى الركائز الوطنية السليمة، بعيداً عن محاولات التضليل والاصطياد في الماء العكر؟ كما كانت تونس إيذاناً لبرنارد هنري ليفي ببدء تطبيق نظرياته الخبيثة والمجرمة بحقّ شعوبنا، هل تشكّل تونس اليوم بداية الانقلاب الحقيقيّ على المشروع العثماني الإخواني، والعودة إلى القرار الوطني الذي تصيغه الشعوب بأنفسها، وإلى التيارات العربية العلمانية التي حقّقت نهضة حقيقية لشعوبنا وبلداننا، وصانت قراراتها الوطنية المستقلّة؟
هل ستشكّل تونس أوّل الغيث للعودة إلى المرجعيات السليمة بعد دفن كلّ محاولات التضليل المشبوهة، والتي اشترك بها كلّ أعداء هذه الأمة رغم ادعاءاتهم الكاذبة بالخلافات وعدم التوافق؟
أدرك أحمد جبريل معنى الحياة، وآمن أن العيش والبذل من أجل قضية يؤمن بها الإنسان هو أسمى معنى من معاني الحياة؛ فكان رجلاً أكبر من الحياة، وأغنى من الغنى، وأصلب من الصلابة، وأوفى من خلان الوفى.
لم يكن أحمد جبريل شخصاً بل كان قضية ووفياً لكل من يدعم قضية شعبه الفلسطيني
توفي منذ بضعة أيام في دمشق القائد الفلسطيني المجاهد أحمد جبريل مؤسس “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة”، والذي قضى عمراً من الكفاح، وحيثما اقتضى الأمر من أجل رفع لواء فلسطين وخدمة قضية الفلسطينيين المحقة لا يخشى في الله لومة لائم ولا ترهبه التهديدات ولا تجذبه المغريات مهما كبر شأنها أو صغر، ولا يهادن ولا يساوم لأن بوصلته كانت باتجاه واحد لا يتغير أبداً وهي فلسطين وشعب فلسطين يحذوه الإيمان المطلق بأن المقاومة مستمرة إلى أن يستعيد كل الفلسطينيين حقهم في أرضهم وتاريخهم وترابهم ودولتهم.
لقد استضافني وابنه بدر في أحد المواقع المقاومة لأتحدث إلى المخيم الشبابي الذي أقاموه هناك وأخذ يسرد لي تاريخ كل صخرة وجبل وخندق حفروه بسواعدهم لحماية المقاومين من الاستهداف الإسرائيلي الغاشم ولضمان استمرار العمل المقاوم.
لم يكن أحمد جبريل شخصاً بل كان قضية وكانت حياته كلها بكل تفاصيلها ويومياتها تدور حول تقديم أفضل الخدمات الممكنة لهذه القضية وضمان استمراريتها وعزتها إلى أن يتحقق النصر المرتجى. لم يكن يهادن ولا يمالئ مهما اشتدت الضغوطات أو تكالبت عليه الأحداث المجحفة لأن الإيمان بقضيته كان نبراسه الدائم ومشعله الذي لم ينطفئ يوماً. تصغي إليه فتعلم أنك أمام موسوعة من الجهاد الصادق المخلص المؤمن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وكان وفياً لكل من يدعم قضية شعبه العربي الفلسطيني بصدق وإخلاص؛ ومن هنا ليست مصادفة أن يبدأ مسيرته النضالية من سورية ومع الجيش العربي السوري وأن يحتضن تراب سورية جسده الطاهر الذي أعياه اتّقاد الروح والضمير والوجدان.
لقد قدّم له بعض المقربين كل التسهيلات والمغريات كي يغادر سوريا حين بدأت تتعرض لحرب إرهابية شرسة في عام 2011 ولكن ليس من صفة المقاومين أن يهجروا العرين وقت الشدّة؛ فرفض وبقي مرابضاً ومتابعاً لأدق تفاصيل الأحداث مع التعبير المستمر عن إيمانه بأن مصير سورية وفلسطين مصير مشترك وأنه لا فرق لدى العدو الآثم بين المعارك التي يخوضها الفلسطينيون والسوريون؛ فالجغرافيا واحدة والتاريخ واحد والمصير مشترك لنا جميعاً سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه.
اتصل بي صديق عزيز من بيروت ليقدم لي التعازي ويسألني عن كيفية التواصل مع الأسرة الكريمة وبعد دقائق من الحوار اكتشفنا أنني أتحدث عن المناضل أحمد جبريل بينما هو يقصد تقديم التعازي لمناضل عروبي آخر اختار دمشق قلعة لحياته النضالية والسياسية وقضى بعد ثلاثة أيام من وفاة أحمد جبريل ألا وهو الأستاذ محمد سليم الهرماسي (أبو سليم) الذي غادر تونس في أيام شبابه لينضم إلى الصف العروبي القومي ويمضي عمره في خدمة فكره القومي الوحدوي الذي رأى به خلاصاً وحيداً لكل عذابات البلدان العربية.
لم يعترف أحمد جبريل ولا محمد سليم الهرماسي بسايكس بيكو ولم يؤمنا يوماً بأن الدولة القُطرية قادرة مهما علا شأنها وكثرت مواردها أن توفر أسباب القوة لشعبها بمنأى عن المدّ العروبي القومي لأن العمل من منظور الأمة الواحدة كان بالنسبة لكليهما هو الشرط الأساسي لموقع عربي محترم على الخارطة الإقليمية والدولية.
ولا شك أن كل ما تعانيه بلداننا العربية من ويلات اقتصادية وسياسية واجتماعية ناجم في جوهره عن انحراف الرؤية وعن المعالجة القاصرة لجوهر هذه المعاناة ومسبباتها وشروط انتهائها؛ إذ أن كل بلد يحاول أن يجترح المعجزات ويتجاوز الصعوبات التي يستحيل تجاوزها إلا بتعاون إقليمي عروبي حقيقي يحقق التكامل بين مقدرات هذه الأمة ويفتح السبل لأبنائها للبناء والعيش على جغرافيتها بدلاً من الهجرة الدائمة والمحمومة باتجاه دول الغرب بحثاً عن العيش الكريم.
إن تعقيد الظروف اليوم في كل قطر على حدة وتضاعف الاستهداف من قبل قوى داخلية وخارجية وانسداد المنافذ لا يعني أبداً أن التركيز على الحل الأكبر والأمثل هو ضرب من الجنون لأنه بعيد المنال ولأن الطريق إليه وعرة ومحفوفة بالمخاطر.
على العكس من ذلك إن اشتداد العاصفة وتكاتف قوى الشرّ والعدوان لتوجيه السهام المتتالية إلى قلوب بلداننا يعني بالضرورة أننا بحاجة للتفكير الاستراتيجي غير التقليدي الذي يحلّق فوق كل هذه الصعوبات الآنية ويرسم السبل المجدية لتجاوز كل أسباب الوهن والفرقة متكئاً على ثقافة الأجيال التي لابد من إرساء أسسها وضمان استمراريتها بما يخدم هدف المشروع وضمان بلوغه مرتجاه في المستقبل.
لقد أدرك أحمد جبريل معنى الحياة وآمن أن العيش والبذل من أجل قضية يؤمن بها الإنسان هو أسمى معنى من معاني الحياة؛ فكان رجلاً أكبر من الحياة وأغنى من الغنى وأصلب من الصلابة وأوفى من خلان الوفى. ماذا يريد العابر في هذه الحياة، وكلنا عابرون، أطيب من هذا الأثر وأجمل من هذا الذكر وأنبل من هذا الإرث؟
أما محمد سليم الهرماسي (أبو سليم) فقد اعتنق العروبة عقيدة، مؤمناً إيماناً مطلقاً أنها المبتدأ والمنتهى، وأن دمشق قبلة العروبيين هي دائماً وأبداً الحاضنة والراعية والقادرة على القبض على الجمر وعلى السعي الحثيث والدائم لتحقيق ما يصبو |ليه كل العرب الشرفاء.
رحم الله مجاهدينا ولتبقى سير حياتهم منارة للأجيال ومصدر قوة لكل الحريصين على هذا الإرث المشرّف والمدركين للمعنى الأجمل والأسمى للحياة سواء على المستوى الشخصي أو الوطني أو العالمي؛ فالحقيقة واحدة في كل زمان ومكان.
What the West wants to do is to violate Syrian sovereignty, lay the foundations for dividing Syria, and to supply terrorist groups with weapons in the name of humanitarian aid.
For the past two months, all Western media and research centers have been preoccupied with a single topic about Syria, which is the necessity of opening the so-called “humanitarian corridors” across the border, lamenting over those who will suffer hunger and poverty if the benevolent hands of the West are not allowed to be extended to save their lives. They believed their lie and rejoiced in it, because it gives them the chimerical satisfaction that they are in harmony with their moral rules for which they have always been calling, pretending saving people and caring about people’s health, food and lives.
The strange thing, however, is that all this Western-oriented media talked about is three million people living in the north-west and north-east of Syria, and did not mention at all the twenty million Syrians who are languishing under immoral, illegal and illegitimate collective punishments that prevent them from accessing food, medicine and power, and punishing any party who tries to lend a hand for them or who dares to violate these penalties by any means.
Another strange thing is that no one has linked between Caesar’s law, which is not a law but a violation of all humanitarian and moral laws, and the suffering of the Syrian people over the past years, and no thinker in the West has ever tried to challenge this noisy media wave by highlighting the fact that all the aid sent by the United Nations has been distributed by United Nations organizations operating in Syria over the Syrian territory. What the West wants to do is to violate Syrian sovereignty, lay the foundations for dividing Syria, and to supply terrorist groups with weapons in the name of humanitarian aid.
Does it make sense for dozens of countries to convene a conference in Rome in order to discuss humanitarian aid to Syria, without mentioning the main reason for the suffering of all Syrians, namely the unilateral, coercive, illegal and aggressive measures imposed on the Syrian people? Following this conference, the Washington Post wrote in its editorial on June 30, 2021: “there is no better place to demonstrate our values than in Syria, by extending humanitarian aid and reaching a settlement to the war there, as per the agreed terms of the U.N. Security Council Resolution 2254.” The writer complains that Syria has been a drag on US diplomacy for more than ten years! Such writers should rather ask the Syrians about the suffering they experienced due to the US occupation over the past ten years, and about the crimes that have been committed, wheat that has been stolen, and oil that has been smuggled, and lands that have been illegally seized by the force of American weapons in harsh violation of all international laws and legitimacy!
While reading what the Western media is publishing about Syria, I wonder about the distorted image that is being formed in the minds of Western readers as a result of misleading information which has nothing to do with reality, and which fills the pages of this media, ignoring the truth and all the difficulties and tragedies that Syrians are living, because referring to such tragedies means referring to the Western perpetrator. Therefore, everything mentioned about Syria has been written in the passive form, just as the Zionists used to do for decades when broadcasting news about Palestine and Palestinians; you cannot find a sentence in the active voice because it requires mentioning the subject, who is the causative of all crimes perpetrated against the innocent Syrians, and this is not allowed.
In all the media promotion before the Rome Conference and following it, Syria had been shrunk to the northwest and northeast, to be under control of terrorists and occupiers, without any mention of the Syrian people who suffered patiently, and liberated a large part of their land and are trying to rebuild their lives and properties despite the difficulties created by the criminal sanctions against them.
The editorial of Newsweek of June 30, insinuates that Syria and Iraq are inhabited only by “Iranian militias”, as if the Syrian and Iraqi peoples do not exist, and that the United States is obliged to respond to Iranian drone attacks in Iraq, and therefore it is bombing the Iraqi-Syrian border near Al-Bukamal. Since the United States has the right, as the editorial suggests, protecting its forces anywhere in the world, nobody showed any concern when the United States bombed facilities and killed people. However, they consider those attacks as acts of self-defense. The author says that the issue is not limited only to whether this aggression is legitimate or not, he rather raised the following question: why do members of the Iraqi army, who are being trained by the United States, attack the American forces? The author is trying to correct a “strategic shift” in the United States’ view that they were unable to instill a sense of deterrence in Iraq.
Firstly, The American forces refrained from attacking Al-Bukamal crossing and from maintaining Al-Tanf crossing too, not only to back up their troops, which should not be here in the first place, but rather to ensure safety to the terrorists they protect, and be able to move them whenever and wherever they want. Secondly, the United States wants to cut the geographical connection between Iraq and Syria on the one hand, and between Iran, Iraq, Syria and Lebanon on the other. This action represents one of the strategic goals of the Zionist entity, who considers any communication between these countries, in the frame of the resistance axis, as an existential threat to it. In other words, the United States is implementing the targets of “Israel”, moreover they do not respond to attacks because they are the ones who start the aggression. Thirdly, if the writer of the editorial believes that the Iraqi army, or any other army in the region, will express in the future his gratitude and loyalty to the American forces, he is certainly wrong. The peoples of the region are much smarter than you can ever think; Iraqis and Syrians are aware that it is the US occupying forces who prevent communication between the two countries and hinder the opening of the borders between two close brother countries. Our people are completely aware that the US troops want to open the borders with the Turkish occupier who used the frontier lines for the past ten years to help terrorists infiltrate Syria and provide them with illicit supplies (money and weapons).
It occurred to me while reading the editorial of the Washington Post and the editorial of Newsweek, of June 30, 2021, that the Western transatlantic people would be better off, if they do not read such misleading editorials and analysis which have nothing to do with the reality of the situation in our countries and our region, because such analysis stem from the writers’ sense of false colonial superiority and from a premeditated intent to drown our people into a sea of ignorance, abandoning them to sufferings, stifling their innovation and destroying their ambition.
Today, the US troops are getting out of Afghanistan after causing countless tragedies to innocent Afghani peoples; while no one knows why did they enter or why do they leave now. They claimed that they went to Afghanistan to liberate its people from Taliban, while their actions prove that they contributed to its perpetuation and spread.
Every time I read what the American media and research centers publish, I wonder about the curricula of History in the United States and about what they teach all their students, but this is another topic that needs to be addressed.
هل يُعقل أن تتداعى عشرات الدول إلى مؤتمر في روما لمناقشة مساعدات إنسانية لسوريا من دون ذكر السبب الأساسي في معاناة السوريين جميعاً، ألا وهي الإجراءات القسرية الأحادية الجانب، والمفروضة على الشعب السوري ظلماً وعدواناً؟
طوال الشهرين الماضيين، انشغل القيّمون على وسائل الإعلام الغربية ومراكز الأبحاث بموضوع وحيد عن سوريا، وهو ضرورة فتح ما سمّوه “ممرّات إنسانية عبر الحدود”، متباكِين على من سيُصيبهم الجوع والفقر إذا لم يتم السماح لأيدي الغرب الخيّرة بأن تمتدّ لتنقذ حيواتهم.
عقوبات جماعية ومساعدات إنسانية!
صدّقوا الكذبة التي كذبوها على أنفسهم، وفرحوا بها لأنها تعطيهم الارتياح الزائف إلى أنهم منسجمون مع قواعدهم الأخلاقية التي يتحدثون بها دوماً، وهي الحرص على الناس وعلى غذائهم وصحتهم. لكنّ الغريب في الأمر أن كلّ هذا الإعلام الغربي الموجَّه تحدَث عن ثلاثة ملايين يقطنون في الشمال الغربي والشمال الشرقي، ولم يذكر أبداً الملايين العشرين من السوريين، والذين يرزحون تحت عقوبات جماعية، لاأخلاقية ولاشرعية ولاقانونية. وفي الحقيقة، فإنّ هذه العقوبات جريمة إبادة، وهي المسؤولة عن الفقر والجوع والغلاء، التي يعاني جرّاءها ملايين السوريين، لأنها عملياً تمنع عنهم سبل الغذاء والدواء والطاقة، وتعاقب أيَّ طرف يحاول بيع هذه المواد الأساسية لإنقاذ حياة أيّ إنسان، أو يحاول مدّ يد العون إليهم، أو خرق هذه العقوبات، بأي وسيلة كانت.
والغريب في الأمر أن أحداً لم يربط بين “قانون قيصر” الإجرامي، والذي هو ليس قانوناً، بل جريمة إبادة جماعية موجَّهة ضدّ الشعب السوري المسالم، لأنه يمثّل خرقاً لكل القوانين الإنسانية والأخلاقية، وبين معاناة هذا الشعب على مدى السنوات الماضية. ولم يحاول أي متحدث في الغرب أن يتحدى هذه الموجة الإعلامية الصاخبة، والموجَّهة سياسياً من جانب الأجهزة المخابراتية والعسكرية نفسها، التي موّلت الإرهابيين وسلّحتهم وأرسلتهم إلى سوريا، من خلال إبراز حقيقة أن كل المساعدات المرسَلة من جانب الأمم المتحدة توزّعها منظمات الأمم المتحدة العاملة في سوريا على مدى الجغرافيا السورية، لكنّ ما يريد الغرب فعله هو انتهاك السيادة السورية أولاً، ووضع أسس لتقسيم سوريا ثانياً، وإمداد مرتزقته من العصابات الإرهابية بالسلاح، تحت مسمى مساعدات إنسانية. وهذا ما فعله بالشعوب طوال تاريخه الاستعماري الدموي.
هل يُعقل أن تتداعى عشرات الدول إلى مؤتمر في روما لمناقشة مساعدات إنسانية لسوريا من دون ذكر السبب الأساسي في معاناة السوريين جميعاً، ألا وهو الإجراءات القسرية والأُحادية الجانب، والمفروضة على الشعب السوري ظلماً وعدواناً؟ ألم يكن الأجدر بهذه الدول، إنْ كانت صادقة، أن ترسل المساعدات مباشرة عبر الوسائل المتَّبَعة دولياً، وعبر المنافذ الحدودية والموانئ السورية.
وفي أعقاب هذا المؤتمر، تكتب جريدة “واشنطن بوست”، في افتتاحيتها في 30 حزيران/يونيو 2021، أنه “لا يوجد مكان أفضل من سوريا للتعبير عن قيمنا، من خلال إيصال المساعدات الإنسانية، والتوصّل إلى تسوية للحرب، وفق ما نصّ عليه قرار مجلس الأمن 2254”.
ويشكو الكاتب أن سوريا شكّلت عبئاً على الدبلوماسية الأميركية طوال السنوات العشر الماضية. وعلى مثل هؤلاء الكتاب أن يسألوا السوريين: بمَ تسببت لهم الولايات المتحدة على مدى السنوات العشر الماضية؟ وما هي الجرائم التي ارتُكبت بحقهم؟ وكيف ينظرون إلى نهب قمحهم ونفطهم واحتلال أرضهم بقوة السلاح الأميركي، في انتهاك صارخ لكل القوانين والشرعة الدولية؟
أتساءل، وأنا أقرأ كلّ ما يصدر عن سوريا في الإعلام الغربي، عن الصورة المشوَّهة، والتي تتشكّل حُكماً في أذهان القراّء الغربيين، نتيجة المعلومات المضلِّلة، والتي لا تمتّ إلى واقع الحال بصلة، والتي تملأ صفحات هذا الإعلام الذي تحتكره الحكومات الغربية، وتسيّره عبر المخابرات الغربية. لذلك، فإن إعلامهم يتجاهل الواقع والحقيقة وكل ما يعتري حياة السوريين من صعوبات ومآسٍ، لا يتم التطرّق إليها أبداً، لأن التطرق إليها يعني الإشارة إلى الفاعل والمتهَم الغربي المجرم. لذلك، فإن كل ما يُكتَب عن سوريا يُكتَب بصيغة “المبنيّ للمجهول”، تماماً كما درج الصهاينة على بثّ الأخبار عن فلسطين والفلسطينيين منذ عقود، إذ لا توجد جملة بصيغة المبني للمعلوم، لأن المبنيّ للمعلوم يتطلّب ذكر الفاعل المسبّب بالجرائم بحقّ الملايين من السوريين الأبرياء والمسالمين، وهذا أمر غير مسموح به.
في كل هذا الترويج الإعلامي في مؤتمر روما وما سبقه وما تلاه، يختصرون سوريا بالشمال الغربي والشمال الشرقي، وبحفنة من الإرهابيين والمحتلين، بينما لا يوجد ذكر للشعب السوري الذي عانى وصبر وحرّر الجزء الأكبر من أرضه، ويحاول إعادة بناء حياته وممتلكاته، على الرغم من الصعوبات التي ولّدتها العقوبات المجرمة عليه.
وفي افتتاحية مجلة “النيوزويك”، في 30 حزيران/يونيو أيضاً، تشعر كأن سوريا والعراق مسكونان بمليشيات إيرانية فقط، ولا وجود للشعبين السوري والعراقي، وأن الولايات المتحدة مضطرة إلى الردّ على هجمات الطائرات الإيرانية المسيَّرة في العراق. لذلك، هي تقصف الحدود العراقية السورية قرب البوكمال. وبما أن للولايات المتحدة الحق، كما تقول الافتتاحية، في حماية قواتها في أيّ مكان في العالم، لذلك لم يهتم أحد حين قصفت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي منشآت وأشخاصاً، وقتلت مَن قتلت، واعتبروها “أعمالاً دفاعية عن النفس”. ولا يُخفي كاتب المقال أن المسألة لا تنحصر فقط فيما إذا كان هذا العدوان قانونياً أم لا، بل السؤال هو: لماذا توجد قوات احتلال أميركية في العراق وسوريا؟ ولماذا تعمد عناصر في الجيش العراقي، الذي تدربه الولايات المتحدة، على مهاجمة القوات الأميركية. وهو يحاول في مقاله أن يصحّح “حَوَلاً استراتيجياً”، في نظرة الولايات المتحدة إلى تدريب هذا الجيش، وأن الولايات المتحدة لم تتمكّن من خلق حالة الردع في العراق.
أولاً، إن قوات الاحتلال الأميركية لا تهاجم معبر البوكمال، ولا تحتفظ بمعبر التنف، من أجل سلامة قواتها التي يجب ألا تكون موجودة اصلاً، بل من أجل ضمان سلامة الإرهابيين الذين تحميهم وتحرّكهم متى تشاء وكيفما تشاء. ثانياً، لأنها تريد قطع التواصل الجغرافي بين العراق وسوريا من جهة، ومحاصَرة الملايين من الشعبين في البلدين، ومنع أيّ تبادل تجاري ينفعهما. كما تهدف إلى قطع التواصل بين إيران والعراق وسوريا ولبنان من جهة أُخرى. وهذا يمثّل أحد الأهداف الاستراتيجية للكيان الصهيوني، الذي يعتبر التواصل بين هذه البلدان الموجودة في محور مقاوم خطراً وجودياً عليه؛ أي أن الولايات المتحدة تنفّذ أهدافاً إسرائيلية، وهي لا تقوم بالرد على أي هجوم لأنها هي التي تبدأ العدوان دائماً.
ثالثاً، إذا كان كاتب الافتتاحية يعتقد أن الجيش العراقي، أو أي جيش في المنطقة، سيعبّر مستقبلاً عن امتنانه وولائه للجيش الأميركي، فهو واهم. فشعوب المنطقة أذكى كثيراً مما تعرفون وتظنّون. والشعب في كل من العراق وسوريا يدرك أنّ قوات الاحتلال الأميركية هي أولاً قوات عدوانية، هدفها قمع الشعبين وحرمانهما من الحرية والسيادة، وموجودة من أجل نهب ثرواتهما. ويدرك الشعبان في سوريا والعراق أنّ هذه القوات المعتدية هي التي تمنع التواصل بين بلديهما، وهي التي تمنع فتح الحدود بين بلدين شقيقين متحابّين، بينما تريد فتح الحدود مع محتل تركي استخدم الحدود طوال السنوات العشر الماضية لإرسال الإرهابيين المسلّحين والمدرَّبين غربياً إلى سوريا، وتزويدهم بالمال والعتاد والسلاح.
خطر لي وأنا أقرأ افتتاحيتي “الواشنطن بوست” و”النيوزويك”، والمؤرَّختين في 30 حزيران/يونيو 2021، أن شعوب الغرب عبر الأطلسي ستكون في حال أفضل لو أنها لا تقرأ مثل هذه الافتتاحيات الموجَّهة سياسياً من جانب حكومات ترتكب جرائم حرب ضدّ الشعوب العربية، في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا. فهذه التحليلات المضلِّلة لا تمتّ بصلة إلى واقع الحال في بلداننا ومنطقتنا، وتنبع من تحيّز كتّابها إلى فكرة التفوّق الاستعمارية، وتجاهلهم واقعَ الشعوب ومعاناتها ووعيها وطموحها.
ها هم اليوم يخرجون من أفغانستان بعد التسبب بمآسٍ لا تُحصى للملايين من الشعب الأفغاني المسالم، ولا أحد يعلم لماذا دخلوا، ولماذا خرجوا، ولم يتمكنوا من الخروج إلاّ بعد التفاوض مع “طالبان” التي ادّعوا أنهم ذهبوا إلى هناك لتخليص الشعب الأفغاني منها، وإذ بهم يساهمون، عبر سياساتهم، في إدامتها وانتشارها.
أتساءل عن مناهج التاريخ في الولايات المتحدة، وعما تدرّسه للطلاب، إذا كان هذا ما تجود به مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، والتي تُعتبر نخبوية في الغرب؟ لكنّ هذا حديث آخر، ويحتاج إلى وقفة مقبلة.
Kabbalistic Balance
-
Kabbalistic Balance August 6 2026 ___________________________________ More
Vids! +BN Vids Archive! HERE! ___________________________________ Support
The Br...
Report on Beth Israel vigil 07-04-26
-
*1A Rights under combined attack from local government plus media*
Ann Arbor City Council is at it again. Right before the long 4th of July
weekend, they ...
-
Hello all,
It is with great sadness that I share with you the passing of our beloved
sister, Mother, and Grandmother, the individual that you all knew ...
Best Horror Podcast
-
Best Horror Podcast Introduction: Horror podcasts […]
The post Best Horror Podcast appeared first on Copper Shock Horror Podcast.
Ikhras Endorses Muntadhar Al-Zaidi
-
“Oh parties of banditry and sectarianism and corruption, we have come and
our goal is to destroy you.” Ikhras formally endorses Muntadhar al-Zaidi,
Iraqi j...
Prince Charles: Foreign Jews behind bloodshed in ME
-
In May, 2017, British Crown Prince Charles declined an invitation from
Zionist entity’s president Reuven Rivlin‘s to attend the 100th anniversary
of the no...
Palestinian Women – One for All, All for One
-
Honouring All Palestinian Women by Honouring Three: Hanin Zoabi, Ahed
Tamimi, Samah Sabawi Vacy Vlazna “Palestinian women have always stood side
by side ...
US’s Saudi Oil Deal from Win-Win to Mega-Lose
-
By F. William Engdahl Who would’ve thought it would come to this? Certainly
not the Obama Administration, and their brilliant geo-political think-tank
neo-...
-
*Mordechai Vanunu wins human rights prize of Brazilian Press Association *
* http://www.alternativenews.org/english/index.php/features/updates/7038-mordechai...
Abdul Aziz Rantissi:
"My ultimate wish, my God, is to attain martyrdom,"...God granted him his wish on April 17, 2004, at the hands of Israeli assassins.