Showing posts with label Angry Arab. Show all posts
Showing posts with label Angry Arab. Show all posts

Sunday, 10 January 2021

السيرة الذاتيّة لأمين الجميّل: عندما يصبح الارتهان للخارج «مقاومة» [١]

 الأخبار


 أسعد أبو خليل السبت 9 كانون الثاني 2021

السيرة الذاتيّة لأمين الجميّل: عندما يصبح الارتهان للخارج «مقاومة»  [١]
(هيثم الموسوي)

يبدو أنّ السيرة الذاتية باتت موضة متّبعة عند الكثير من سياسيّي لبنان، والبعض يستعين بكتّاب – لكن من دون تسميتهم على الغلاف أو في مقدمة الكتاب (يُسمّونهم هنا “الكتّاب الأشباح”، لكنهم يحظون بتنويه في الكتاب، على الغلاف، أو في المقدمة، وذلك اعترافاً بجهودهم). لا ندري إذا كان أمين الجميّل قد كتبَ الكتاب (أمين الجميّل، “الرئاسة المقاوِمة، مذكرات”) بنفسه، أم انه كتبه بالفرنسيّة واستعان بمترجم، لأنّ الكتاب يبدو أنه مُوجّه للقارئ الغربي أكثر من العربي (هو يشرح لنا مثلاً أنّ رفيق الحريري كان رئيساً لحكومة لبنان أو أنّ “ياسر عرفات المعروف بـ”أبو عمّار”، ص، ٣٠). لكن إذا كان الجميّل يظنّ أنّ كتابه سيلقى صدًى في دول الغرب، فهذا يعني أنّ أمين الجميّل لم يتعلّم بعد من دروس تجربته الرئاسيّة الفاشلة والكارثيّة، والتي كلّفت شعب لبنان الآلاف من الضحايا، وفي زمن لم يعد هناك من مجال لتحميل الشعب الفلسطيني ومقاومته المسؤوليّة عن الحرب الأهليّة. إذا كان الجميّل يظنّ أنه سيكون لكتابه تأثير في الغرب، فهذا يعني أنه لم يفقْ بعد من سكرة تنصيبه رئيساً من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي (لا تعنيني موافقة نواب الرشوة، باستثناء نجاح واكيم وزاهر الخطيب). وأمين الجميّل مملٌّ جداً كمتحدّث، ومملّ أيضاً ككاتب. وهو ينقل أحياناً في سيرته مقاطع من مدوّنته الخاصة، والمقاطع كفيلة بعلاج مرض الأرق. كان عناء القراءة سيقلّ لو أنه لم يستشهد من مدوّناته (المكتوبة بالفرنسيّة).

الكتاب لم يعدّه مؤلّفه وناشره للقراءة. هذا كتاب علاقات عامّة. لا يمكن للمؤلّف الذي وافق على هذا الحجم الكبير للكتاب ووزنه (وهو يُصنَّف هنا بأنه «كتاب طاولة القهوة»، أي الكتب التي يعرضها الناس على طاولة كبيرة في الصالون بغرض الزهو وتكون عادة عن تاريخ الفنون أو الهندسة المعمارية) أن يتوقّع قراءة الكتاب. ووجدتني أجد صعوبة وأنا أحمل الكتاب مستلقياً على الأريكة، لأنّ وزن وحجم الكتاب كانا مزعجيْن جداً، وتقليب الصفحات لم يكن مريحاً البتّة. أراده الجميّل كتاباً يوزّعه على الأمراء والشيوخ والسفراء الذين يزهو بمعرفتهم في متن الكتاب.

المشكلة في الكتاب أننا نتعامل مع كاتب له تاريخ طويل في العمل السياسي وله سمعة غير عطرة في الحقل العام. ومن الصفات التي ارتبطت بالجميّل صفة انعدام المصداقيّة والتحايل والكذب. وبناءً عليه، فإنّ الكثير ممّا جاء في الكتاب يسهل دحضه وتكذيبه وتفنيده. أعطي مثالاً شخصيّاً: يستفيض المؤلّف في كتابه بالاستعانة بشفيق الوزّان للتدليل على أنّ قراراته لم تكن فرديّة أو صادرة فقط عن رئيس الجمهوريّة، كأنّ رئيس الجمهوريّة قبل «الطائف» لم يكن حاكماً مستبدّاً يفعل ما يشاء ولم يكن رئيس الوزراء – خصوصاً في حالة شفيق الوزان – إلا ديكوراً فقط. قابلتُ أمين الجميّل عندما كان رئيساً، في منتصف الثمانينيات، بمبادرة من والدي الذي كان على معرفة به (المحرّر: والد الزميل أسعد هو إحسان أبو خليل الذي شغل منصب الأمين العام لمجلس النواب سابقاً). وكنتُ أجري مقابلات مع سياسيّين في معرض كتابة الأطروحة، واقترح والدي أن أقابل شخصاً اعتبره عدوّاً، واصطحبني إلى قصر بعبدا لهذا الغرض. والذي علّقَ بذهني من مقابلته والحوار الذي جرى (واحتدّ) أنه كان يشيدُ بشفيق الوزان ويزعم أنه يُشركه في كلّ قراراته. وبعد اللقاء، قابلت الوزّان كي أسأله عن ذلك، فما كان من الأخير إلّا أن نفى ذلك بانكسار، وأذكر لهجته الحزينة وهو يقول لي: لم أكن أعلم بما يُدار ولم يتم إشراكي بأيّ من القرارات. طبعاً، الوزان لم يكن رجلاً نزيهاً أو بريئاً، لأنّ فريق الجميّل استماله بطرق لا تختلف عن طرق استمالة رفيق الحريري لأفراد الطبقة الحاكمة في لبنان. كما أذكر من هذا اللقاء لهجة الجميّل عن خصومه عندما قال لي: لا نبيه برّي ولا وليد جنبلاط «يغبّر على صباطي». وعندما تجادلتُ معه كان يقول لوالدي متبرّماً إنني متأثّر بالدعاية الأميركيّة ضدّه.

الكتاب يعتمد على محاضر ووثائق يصنّفها المؤلّف بـ«المحفوظات الشخصيّة»، وبعض هذه هي «مدوّنات خاصّة في سجل اليوميّات». لكنّ هذا التوثيق لا يكفي أو لا يُعوَّل عليه – خصوصاً في حالة الجميّل – إلا إذا فتح الجميّل أرشيفه أمام الباحثين وجعل هذه المحفوظات الشخصيّة متاحة للعموم كي يتسنّى لنا مقارنة الأصل (مثل محاضر اجتماعات) بالفرع، الذي يرد في الكتاب والذي يخضع حكماً لتفسيرات الجميّل المؤاتية له. وهذا ضروري في حالة الجميّل، لأنّه شخص يفتقر إلى الحدّ الأدنى من «التأمّل الداخلي» كي لا نقول إلى نقد الذات الذي هو أبعد ما يكون عنه. هذا رجل عمل في السياسة، أو ورثها مع منزل العائلة في بكفيا، من دون أن يعترف بخطأ واحد له، أو حتى هفوة. هذا رجل مُصاب بعقدة لوم العالم كلّه على أخطائه والكوارث التي تسبّبَ بها. لم يكن يمكن أن يرتكب رئيس جمهوريّة وأن يتسبّب بإراقة دماء كما ارتكب وتسبّب أمين الجميّل (الاستثناء الوحيد قد يكون أخاه بشير لو تسنّى له الحكم). العالم كلّه خذله، في الغرب والشرق، وكلّ الأطراف في لبنان خذلته، في المقلبَيْن، وهو وحده المحق. خذوا شعاره المُضحك: «أعطونا السلام وخذوا ما يدهش العالم» (والشعار وُضع بالإنكليزيّة – هناك تكملة للشعار وهي «مرّة أخرى»، أي أنّ لبنان أدهش العالم من قبل. والشعار هو ببساطة طلب الجميّل من دول الغرب أن تسلّم له لبنان على طبق من فضّة (أو ذهب إذ أنه يفضّل الأنفس)).

يبدأ نسج الأساطير في الكتاب مبكراً، فتصبح هجرة العائلة من لبنان إلى مصر مجرّد طلب للحريّة (المضرّجة، على قول أحمد شوقي). هذه كما يحب الأميركيّون أن يردّدوا مقولة إنّ الهجرة إلى أميركا هي دائماً طلبٌ للحريّة. أي أنّ الفقراء اللبنانيّين الذين توافدوا، قبل وبعد المجاعة، إلى «العالم الجديد» كانوا ينشدون الحريّة. تقرأ ذلك وتظنّ أنّ كلّ مهاجر لبناني وأفراد عائلة الجميّل، هم أمثال هادي العلوي أو غسان كنفاني أو جورج حجّار، كتّاب راديكاليون ثوريّون لا تتّسع البلدان لهم بسبب ثوريّتهم ومجاهرتهم بطلب التغيير الجذري. الهجرة اللبنانية هي بهدف تحسين الوضع المادي وطلب الرزق. يقول إنّ هجرة جدّه كانت بسبب مطالبته بالاستقلال، لكن ليس هناك من مصدر أو دليل على أنّ هجرة جدّ أمين وشقيق جدّه كانت بسبب نشاطات نضاليّة لهما (ص. ١٩). ثم إنّ سبب مطاردة السلطات العثمانيّة لبعض اللبنانيّين كانت أحياناً لأنّ هؤلاء كانوا من دعاة الاستعمار الأوروبي وليسوا من دعاة الحرّية والاستقلال الناجز.

يبدأ نسج الأساطير في الكتاب مبكراً فتصبح هجرة العائلة من لبنان إلى مصر مجرّد طلب للحريّة


ويبلغ الطموح بأمين حدّاً يجعله يحاول أن يُقنع القارئ أنّه أديب ومفكّر. لكن، يا أمين: أنتَ في العمل السياسي منذ السبعينيّات، والناس يعرفونك ويسمعونك وقد خبِروك عن كثب في النيابة وفي قصر بعبدا. فيقول لنا إنّه تأثّر بشيشرون قبل أن ينتقل إلى جبران وتيار دو شاردان (استشهاد كمال جنبلاط بالأخير جعله مُحبَّذاً من من متصنّعي الثقافة في لبنان). ويزيد أمين أنّه تأثّر بالأدب العربي من ابن الرومي إلى الجاحظ إلى وليّ الدين يكن. لكنّ الجميّل يسمّي الأخير – الذي أحبَّ فيه تمرّده وشجاعته – «نور الدين يكن» (ص. ٢٠). هذا كأن يقول المرء إنّه تأثّر بكتابات جبران سمير جبران. ويحشو الكاتب في نصّه استشهادات لمفكّرين بمناسبة وغير مناسبة: واضح أنّ المؤلّف اقتنى مجلّداً من مجلّدات «كتاب الاستشهادات»، وهو الكتاب الذي يستعمله رجال أعمال وسياسيون من أجل حشو خطبهم باستشهادات لمشاهير الكتاب والمفكّرين، لإضفاء طابعٍ عميق على أنفسهم. ثمّ، إذا كان أمين قد تأثّر بالأدب العربي وبالفلاسفة، فلماذا ليس هناك من أثر لذلك، لا في خطبه ولا في أحاديثه، وحتماً ليس في هذا الكتاب.
وفي روايته عن علاقة رياض الصلح بوالده، تخال أنّ المثياق الوطني – على شناعته كتركيبة نفاق وطني – لم يكن بين الصلح وبشارة الخوري، بقدر ما كان بين الصلح وبيار الجميّل، وهذا يتناقض مع المعروف عن الظروف التي أحاطت بالميثاق (راجع كتاب باسم الجسر عن الميثاق، مثلاً). يدخل تعظيم شأن بيار الجميّل في نطاق المبالغات التي يتّصف بها الكتاب. ويشيد بكميل وزلفا شمعون، لأنّهما «كأنهما ينتميان إلى طبقة النبلاء، وأنّهما خير من يمثّل بلدنا» ويعتزّ بـ«المظهر البريطاني» الذي ورثته زلفا عن جدّتها (ص. ٢٣). هذه معايير أمين. ويزعم في روايته الموجزة عن حرب ١٩٥٨ الأهليّة في لبنان، أنّ عبد الناصر كان يريد إلحاق لبنان بالجمهوريّة العربيّة المتحدة (ص. ٢٣). الحقيقة أنّه كان هناك قطاع كبير في لبنان يريد الوحدة مع الجمهورية الواعدة، لكنّ عبد الناصر رفض حتى مناقشة الموضوع وكان دائماً يصدّ الوحدويّين اللبنانيّين بالقول إنّ للبنان «وضعه الخاص». وهو يعترف في ما بعد في الكتاب بأنّ عبد الناصر رأى أنّه من ««الحكمة» إبعاد لبنان عن النزاع المسلّح» (ص. ٣٠)، وفي الحقيقة أنّ عبد الناصر كان يعلم أنّ نصف لبنان على الأقل (كما اليوم) أقرب إلى إسرائيل منه إلى أعداء إسرائيل، وكان يخشى أن تؤدّي مشاركة لبنان إلى تفجيره.

أطرف ما يمكن أن يمرّ على القارئ في هذا الكتاب هو هذا المقطع: «تضاعفت اتصالاتي ولا سيّما مع جامعة هارفرد التي أصبحت «مربط خيلي»، وما زلتُ أحتفظ معها بعلاقات ودّية» (ص. ٢٥). دعني أوضّح للقارئ: طبعاً، يحقّ للقارئ أن يتساءل عن سبب إقامة جامعة هارفرد علاقة مع أمين الجميّل، غير المعروف بالعلم والمعرفة والفكر. هناك في جامعة هارفرد، كما في بعض الجامعات، أقسام غير أكاديميّة: مثل «كليّة كنيدي» للسياسة أو «مركز العلاقات الدوليّة». و«كليّة كنيدي» مثلاً، تمنح وريقات (سيرتفيكيت) وليس شهادات أكاديميّة يُعتدّ بها، ويستطيع الذي يريد أن يدفع أقساطاً باهظة مقابل شهر أو فترة دراسيّة صيفيّة (كما فعل نجيب ميقاتي أو سامي الجميّل) أن يحصل على هذه الورقة كي يضعها على سيرته الذاتيّة ويوهم الناس أنه يحمل شهادة أكاديميّة من جامعة هارفرد وهذا تزوير طبعاً. أما «مركز العلاقات الدولية» الذي تحدّث عنه أمين هنا، فهو يستضيف دوريّاً مجرمي حرب وزعماء ميليشيات وحكّاماً بصفة «مسؤولين رفيعين» من العالم. وأذكر أنني في عام ١٩٨٩، عندما كنتُ أعمل في التدريس في مدينة بوسطن كنتَ أرى مجرم الحرب الإسرائيلي، أميرام ميتزنا (وكان الحاكم العسكري في الضفة زمن الانتفاضة الأولى) في مترو محطة جامعة هارفرد، وقد يكون أمين تزامن معه هناك. أما أن يقول إنّ جامعة هارفرد هي «مربط خيله»، فهذا يعطيكم فكرة عن عقليّة هذا الرجل. لا، ويزهو أنه تعرّف إلى الأكاديمي العنصري، صامويل هانتغتون، والذي أصبح اسمه منبوذاً في الأكاديميا الأميركيّة والعالميّة. لكن أمين صافحه، كما صافح ألان ديلون وخوليو إيغليسياس عندما زارا لبنان أثناء رئاسته عندما بشّرنا بنهاية الحرب الأهليّة.

سرديّة أمين عن الحرب الأهليّة هي النمط الكلاسيكي للرواية الانعزاليّة بحذافيرها. يُقال لنا إنّ الشعب اللبناني كان يعيش بوئام ومحبّة مع الشعب الفلسطيني، قبل أن تنطلق ثورته (ص. ٣٠). طبعاً، الحقيقة هي مغايرة لما يقوله آل الجميل عن تاريخ لبنان (المعاصر أو السحيق، لا فرق). التاريخ عند هؤلاء هو أسطورة لا تمتّ بصلة للعلم، كما أنّ إيمانهم بالسيادة لا يتعارض عندهم مع التحالف مع إسرائيل. الشعب الفلسطيني كان يعيش سجيناً في مخيّمات تحت وطأة النعل العكسري لـ«المكتب الثاني» الذي لم يمانع في تطبيق عقيدة فؤاد شهاب، والتي كان مفادها أن يتآمر لبنان سرّاً مع إسرائيل ضدّ عبد الناصر وضدّ المقاومة الفلسطينيّة في ما بعد. والشعب اللبناني لم يكن يكنّ التعاطف مع الشعب الفلسطيني لأنّ السخرية من المعاناة الفلسطينيّة والتشكيك في وجع النكبة كانا سائديْن (كانت البرامج الكوميدية التلفزيونيّة تسخر من البرنامج الإذاعي الذي كان يتبادل فيه أبناء الشعب الفلسطيني في مخيّمات لبنان مع الأقارب تحت الاحتلال التحيّات والتطمينات) وبين كلّ الدول العربيّة، كان لبنان هو الأقسى من دون استثناء في تعاطيه مع اللاجئين الفلسطينيّين (يمكن مراجعة كتاب لوري برند «الفلسطينيّون في العالم العربي»). بوقاحة شديدة، يقول عضو الحزب الذي كان منذ الخمسينيّات (على الأقل) يتلقّى الدفوعات من إسرائيل لتمويل حملاته الانتخابيّة إنّ الشعب اللبناني كان يشاطر الفلسطينيّين «أحلامهم باستعادة وطنهم السليب». هل كان الجميّل وصحبه يشاطرون شعب فلسطين هذه الأحلام وهم يتلقّون التمويل من العدوّ؟

ويستشهد أمين الجميّل بمقاله لجدّه أمين الجميّل في مجلّة «البشير»، في عام ١٩٣٠، كأنّ ذلك يشفع للتحالف الذي عقده حزب «الكتائب» مع العدو بعد سنوات. وفي غياب النص الكامل للمقالة لا يمكن إلّا التعليق على الاستشهاد الذي نشره أمين في الكتاب، وفيه يظهر حرصٌ على المستوطنين اليهود إذ يقول أمين (الجد) إنّ وعد بلفور يمكن أن يكون عثرة أمام «راحة اليهود وهناء جيرانهم العرب»، ويضيف: «لم نكتم اليهود خوفنا على مستقبلهم» (ص. ٣١). لكن يجب تعليق الحكم بانتظار قراءة النص الكامل. ويقول أمين (المؤلّف): «عندما بدأت المخيّمات الفلسطينيّة بالغليان، اعترانا الذهول والحيرة» (ص. ٣١). لماذا؟ لم يكن غليان المخيّمات متوقّعاً، على ضوء القمع الذي كان يتعرّض له شعب فلسطين والاعتداءات على نسوة المخيّمات من قبل زعران المكتب الثاني، أو التنكيل والاعتقال والتعذيب التي كان يتعرّض لها الشعب الفلسطيني عندما يتظاهر دعماً لحقوقه؟ ولا يخفي أمين نزعة الاستعلاء الطبقي على أهالي المخيّمات فيعبّر عن استفظاعه قائلاً: «إذا بمستخدم أو عامل فلسطيني عادي كنا نعرفه منذ فترة طويلة يتحوّل فجأة تحت أنظارنا إلى مغوار متغطرس يتقلّد رشاش كلاشينكوف» (ص. ٣١). كان يريد من الشعب الفلسطيني في المخيّمات أن يبقى عاملاً وأن تبقى النسوة عاملات في المنازل وأن يقبل اللاجئون بتواطؤ السلطة اللبنانية مع عدوّهم.

وتبلغ الوقاحة بالجميّل في تزويره لتاريخ الحرب الأهليّة حدّ اتهام ضحايا اعتداءات «الكتائب» بما كان أوغاده يقومون به على «كوع الكحّالة». ومن المعروف أنّ ميليشيا «الكتائب» كانت ظاهرة الوجود في الكحّالة ولها مآثر طويلة في التجاوزات والجرائم ضدّ المارّين في الطريق الذي لا مفرّ منه بين لبنان وسوريا. وتعرّضت قوافل وسيّارات فلسطينيّة إلى اعتداءات دوريّة كما تعرّضت شاحنة تحمل نسخاً من القرآن إلى الحرق. كان الكوع هو المنبر الذي أراد حزب «الكتائب» أن يُعلن فيه خروج ميليشياه السرّية إلى العلن. والحزب تخصّص في تاريخه في تجنّب مواجهة الفدائيّين وجهاً لوجه، وفي التركيز على الكمائن وعلى المجازر ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة. لا، يزعم الجميّل في كذبة صفيقة بأنّ الفدائيّين كانوا يتوجّهون إلى الكحّالة – التي هي معقل أوغاد «الكتائب» – وذلك فقط من أجل استفزازهم (ص. ٣٤). هل يُعقل أن يصدِّق المرء ذلك؟ قد تسري هذه الكذبة على القارئ الفرنسي الفاشي من أصدقاء الجميّل عندما يقرأ الكتاب بنسخته الفرنسية، لكن أيّ قارئ عربي يمكن أن يصدّقه؟ هذه الكذبة لا تختلف عن الكذبة الانعزاليّة المألوفة التي يكرّرها الجميّل عن أن مخيّم تل الزعتر المُحاصر (من كلّ الجهات من قبل مناطق ذات نفوذ كتائبي وشمعوني) كان يقوم باستفزاز محيطه، لا العكس. والأكيد أنّ هذه الصيغة من البروباغندا كان العدوّ الإسرائيلي يزوّد «الكتائب» بها كي يستعين بها للتحضير للمجازر التي توالت ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة – وكانت هذه المجازر تتزامن مع مجازر لسلاح الطيران الإسرائيلي الذي أحرق في مطلع الحرب الأهليّة مخيّم النبطيّة عن بكرة أبيه – لم يعد لهذا المخيم من وجود اليوم.

وعندما يتطرّق الجميّل إلى الحملة الوحشيّة التي شنّها الجيش اللبناني ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة في أيّار / مايو ١٩٧٣ (وكان ذلك بالتأكيد بالتنسيق مع سلطات العدو وكانت رئاسة الجمهوريّة تنسّق مع العدو في حينه، كما اكتشفنا من وثائق أميركيّة أُفرجَ عنها – ثم إنّ الحملة أتت بعد أسابيع فقط من إنزال قوات العدو في قلب الرملة البيضاء والتوجّه نحو فردان من أجل اغتيال قادة في المقاومة، ثم المغادرة عن طريق البحر ومن دون إطلاق رصاصة واحدة من قبل الجيش اللبناني الذي كان يقوده إسكندر غانم، الذي كان قائد منطقة بيروت في عام ١٩٦٨ عندما أحرق العدو طائرات لبنانية مدنيّة بالرغم من ورود تحذيرات إلى لبنان حول هذا العدوان قبل حدوثه). وتلك الحملة (في عام ١٩٧٣) كانت محاولة لتكرار أيلول الأسود في لبنان، لكن الذي منع ذلك – بالإضافة إلى الكفاءة القتاليّة للمقاومة – هو الانشطار الطائفي اللبناني بالإضافة إلى تأييد واسع للمقاومة من قبل قطاعات كبيرة للشعب اللبناني (وليس المسلمون فقط كما توحي دعاية الفرق الانعزاليّة). ويهتم الجميّل في هذا الصدد بإيراد عدد «ضحايا» الجيش اللبناني (كيف يكون الجيش ضحيّة وهو كان المعتدي؟) من دون إيراد عدد ضحايا، ليس فقط المقاومة الفلسطينيّة، بل أيضاً المدنيّين العزّل في المخيّمات (ص. ٣٩). ويؤيّد الجميّل خيار الاستعانة بطيران الجيش اللبناني الذي لم يُستعمل يوماً ضدّ العدو الإسرائيلي. ويحرص (على عادة الفكر الطائفي للحزب الذي يمثّله) على ذكر اسم عزيز الأحدب في تلك الحملة ضدّ المخيّمات، فقط لأنّه سنّي وهو يريد أن يقول إنّ هذا المسلم السنّي كان مشاركاً. طبعاً، لم يكن الأحدب (ذو الفكر الانعزالي الفينيقي) يصنع القرار في ذلك الحين، ولكنّه كان حليفاً لليمين الانعزالي، لكن ذلك لم يمنعه في عام ١٩٧٦ من التعاون مع حركة «فتح» عندما أعلن انقلابه (التلفزيوني) الشهير.
(يتبع)

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Sunday, 8 November 2020

أزمة النظام السياسي الأميركي: هشاشة الديموقراطيّة؟ – أسعد أبو خليل

 


 الصفصاف

لو كانت هناك عدالة على هذه الأرض (أو في السماء)، لكان يحقّ لكل سكّان الأرض الإدلاء بأصواتهم في مسألة تقرير الرئاسة الأميركيّة، لأن أميركا تقحم نفسها في كلّ شؤون الدول، إلى درجة أنّها أرادت أن تحثّ نقولا فتّوش على أن يقطع روابطه مع 8 آذار، وهي كانت ترغب لو أنّ بيار فتّوش حنَّ على حليفها وليد جنبلاط بحصّة في معمله الشهير. يُقرّر الرئيس الأميركي في الشأن اللبناني، مثلاً، أكثر ممّا يقرّر الرئيس اللبناني نفسه (بعد نزع صلاحيّاته في «الطائف»). كذلك الخلافة في سلالات الطغاة الحاكمة في الخليج، لا تُقَرّ من دون ترجيح أميركي. ولا يزال محمد بن سلمان يتمنّع عن الاستيلاء على العرش بانتظار ترخيص أميركي صريح. لكن ليس لنا، شعوب العالم، أن نقرّر في مسألة اختيار إمبراطور الأرض. هذا الأمر متروك لفئة من الشعب الأميركي التي تختار أن يقترع، ومجموعها يكون أحياناً أقلّ من نصف هذا الشعب.

لم تكن نتائج الانتخابات الأميركيّة متوقّعة؛ استطلاعات الرأي كانت (في معدّلاتها على موقع «ريل كلير بوليتكس») تعطي لجو بايدن أرجحيّة بنسبة عشرة في المئة على، صعيد البلاد بأجمعها (أي الانتخاب الشعبي الذي يحتسب أصوات الاقتراع في كلّ البلاد)، كما كانت تُعطي بايدن أرجحيّة واضحة في «الولايات المتأرجحة» (أي تلك التي باتت تذهب في هذا الاتجاه أو ذاك، يوم الانتخاب، وتصبح هي العرضة لتنافس المرشّحَين). المؤشرات كانت لا تفيد دونالد ترامب (أو «طرمب»، حسب لفظ ألبير كوستانيان) على مدى أشهر. لكنّ النتائج (بصرف النظر عن شخصيّة الفائز التي لا تزال عرضة للتكهّن وتعداد الأصوات باليد، تماماً كما كانوا يفعلون في بداية عصر الانتخاب)، تُعمّق من الشرخ الذي يفصل بين وطنَيْن في أمّة واحدة. الحزب الجمهوري يصبح بازدياد حزب الذكور البيض (هو ينال أكثر من ثلثَيْ أصوات الذكور البيض، وتزداد النسبة عند هؤلاء الأقلّ تعليماً بينهم)، والنساء البيض اللواتي يخترن الحزب الجمهوري (بنسبة 58٪ لترامب، مقابل 43٪ لبايدن، فيما صوّتت النساء ككل بنسبة 56٪ لبايدن مقابل 43٪ لترامب). والتغيير الديموغرافي لصالح المهاجرين والملوّنين، يُنقص من حظوظ الحزب الجمهوري على المدى الطويل، ولهذا يعتمد الحزب على وسائل عديدة للحفاظ على أرجحيّته: 1) هو يعمد في الولايات إلى تصعيب عمليّة الاقتراع وتعقيدها (تماماً، كما كان الحزب الديموقراطي يستنبط في الولايات الجنوبيّة حتى الستينيّات، وسائل عديدة وامتحانات لتخفيض حجم الاقتراع للسود) عبر وسائل عديدة، لعلمه أنّ الملوّنين والفقراء – وهم الأقل اقتراعاً بين الطبقات الاجتماعيّة والأعراق – يقترعون غالباً لصالح الحزب الديموقراطي (زاد ترامب من نسبة تأييده بين السود الذكور، وإن قليلاً). كذلك، فإنّ زيادة إجراءات التسجيل قبل الاقتراع، هي حيلة استنبطها الحزبان الممثّلان لمصالح النخب الطبقيّة، تماماً كما أراد المؤسّسون الأوائل الذين اعتبروا أنّ اختيار الرئيس مسألة بأهميّة تفوق القدرة العقلانيّة للعامّة (من البيض الذكور طبعاً، لأنّ الآخرين كانوا مستثنين من العمليّة الانتخابيّة). 2) ينجح الحزب الجمهوري، خصوصاً في عهد ترامب، برصّ الصفوف العنصرية بطريقة لم تألفها البلاد من قبل.

كان هناك دائماً تساؤل في أوروبا، كيف لم تشهد أميركا ظاهرة «اليمين الجديد» (وهو اسم ملطَّف لظاهرة اليمين العنصري الإسلاموفوبي المتطرِّف). لكن سبب عدم ظهور حزب «يمين جديد»، لا يعود إلى غياب أفكار اليمين الجديد عن أذهان المقترعين، بل لأنّ النظام الاقتراعي القائم على الدائرة الانتخابية الواحدة (التي تعطي الفائز الربح المطلق، وهذا صحيح في احتساب الفائز عن كلّ ولاية في الانتخابات الرئاسيّة، حيث ينجح الفائز بأكثريّة الأصوات في ولاية كاليفورنيا، مثلاً، في الحصول على 55 صوتاً اقتراعيّاً ولا يحصل الفائز على الملايين من الأصوات الأخرى على أي من الأصوات الاقتراعيّة) تمنع تشكّل أحزاب ثالثة. يصعب جداً في ظلّ النظام الانتخابي الحالي تشكيل حالة اختراق من قبل حزب جديد، إن على مستوى مجلس النواب أو الشيوخ أو الرئاسة. لكنّ الحزب الجمهوري تكيّف مع تصلّب الفكر العنصري الأبيض عند الناخبين البيض، فبات يمثّل ظاهرة اليمين الجديد من دون إعلان تشكيل حزب جديد منشق عنه. تغيّر الحزب الجمهوري كثيراً عمّا كان عليه في عام 1980 مثلاً، وحتى قاعدته الانتخابيّة تغيّرت. كان الجنوب الأميركي معقلاً للحزب الديموقراطي، لكن مناصرة الأخير للحقوق المدنيّة في قانون 1965 بطلب من الرئيس لندن جونسون (وهو كان عنصريّاً على الصعيد الشخصي، مثله مثل معظم رؤساء أميركا، وفكرة أنّ ترامب هو أوّل رئيس عنصري، كما قال بايدن، هي فكرة مهينة للسود لعلمهم أنّ معظم رؤساء أميركا كانوا من المؤمنين جهاراً بنظريّة تفوّق العنصر الأبيض) دفعت بالبيض إلى الهجرة الكبيرة من الحزب الديموقراطي نحو الجمهوري الذي أصبح الحزب النافذ في الجنوب، وتخلّى عن إرثه كالحزب الذي يرتبط برمزيّة إعتاق العبيد من قبل الرئيس الجمهوري، إبراهام لينكولن.

يعمد الحزب الجمهوري إلى مخاطبة البيض، وتأجيج تعصّبهم (تماماً كما برع حزب «الكتائب» في مخاطبة التعصّب الطائفي لجمهوره وتخويفه من المسلمين على مرّ السنوات التي سبقت الحرب الأهليّة)، مستعيناً بلغة مرمّزة والتشديد على «النظام والقانون» الذي، منذ حملة ريتشارد نيكسون الانتخابيّة في عام 1968، بات مصطلح تخويف البيض من السود – وقد حوّل ترامب شعار «النظام والقانون» إلى لازمة في حملته الانتخابيّة الأخيرة. كما أن ريتشارد نيكسون خاطب الغرائز العنصريّة للبيض، باستعمال مصطلح «الأكثريّة الصامتة». وقد استعار ترامب في هذه الحملة الانتخابيّة من حملة نيكسون، وهو كان شديد الإعجاب به (وقد تسرّب إلى الإعلام أخيراً مراسلات بين ترامب ونيكسون، واللغة فيها لغة مُعجب برئيس سابق). والبيض يتبرّمون من المستقبل، ويحاولون إيقاف تقدّمه: وهذه الغضبة من المهاجرين التي عبَّر عنها ترامب لم تكن إلا حركة من «اليمين الجديد» العنصري الذي يعمّ دول أوروبا – لكن ربط العنصريّة في المجتمعات الغربيّة باليمين فقط، يغمط العنصريّة في وسط الوسط والليبراليّين وحتى اليسار المعادي للمهاجرين. إنّ العنصريّة الفرنسية والإسلاموفوبيّة، باتت تتجلّى في كلّ المروحة السياسيّة، ربما باستثناء الحزب الشيوعي الفرنسي.

واختيار بايدن مرشحاً للحزب الديموقراطي من بين دزّينة متنوّعة (في الجندر وفي العرق) كان عملاً مقصوداً. أراد الحزب الديموقراطي ترجيح كفّته عبر جذب العمّال الصناعيّين البيض في الولايات التي خسرتها هيلاري كلينتون في آخر انتخابات، مثل ميشيغن وبنسلفانيا وويسكنسون، وهي كانت تاريخيّاً ولايات العمّال الصناعيّين البيض الكاثوليك، وكانوا عماداً ثابتاً للحزب الديموقراطي. ونجح رونالد ريغان في جذب هؤلاء في انتخابات عام 1980، لأسباب متعدّدة بعضها عنصري: النقمة ضد سياسات البرامج الاجتماعيّة لم تكن إلا ثورة ضد ما يراه البيض من امتيازات للأقليّات والنساء (مع أنّ النساء البيض كنّ المستفيدات الأكبر من هذه السياسات). الحزب الجمهوري يؤجّل الخسارة الكبيرة التي ستلحقه عندما يصبح البيض أقليّة في البلاد، وهو يعاند ضد ذلك من خلال إجراءات كثيرة، منها إعادة رسم الدوائر الانتخابيّة بطريقة تحفظ للجمهوريّة الحفاظ على أغلبيّاتهم في الولايات، أو من خلال حضّ البيض على الاقتراع بنسب كبيرة، ومنها التحريض ضد المهاجرين والحدّ من التجنيس الذي يفيد الحزب الديموقراطي. وعمليّة إعادة رسم الدوائر الانتخابيّة وتشتيت أصوات الأقليّات تجري من سنوات وليس هناك من رادع لها، لأنّها حق من حقوق المجالس الاشتراعيّة المحليّة الخاصّة بكل ولاية. وهذه لعبة لعبها الحزب الديموقراطي وتمرّس بها، إلّا أنّه بات يعترض عليها متأخّراً لأنها تضرّه.

كانت نتائج الانتخابات الرئاسيّة مفاجئة، فقط لأنّ خللاً حلّ بوسائل الإعلام وباستطلاعات الرأي. استطلاعات الرأي ليست علماً، وهي لا تتفوّق إلا بدرجة قليلة عن خزعبلات وبلاهات ميشال حايك وليلى عبد اللطيف. ونسبة تأييد ترامب في عام 2016، كانت أقلّ في استطلاعات الرأي ممّا هي عليه يوم الاقتراع، وهذا الأمر تكرّر هذا الأسبوع بالرغم من وعود وتعهّدات من شركات الاستطلاع بأنّها أصلحت أخطاء منهجيّة وتقنيّة في الاستطلاعات الماضية (كانت الاستطلاعات مثلاً تقلّل من نسبة سكّان الريف والمزارعين في الولايات، وهذه المجموعة السكّانية تميل للحزب الجمهوري، والاستطلاعات تقلِّل من نسب الاقتراع للقاعدة الحزبيّة الجمهوريّة، أي الذكور البيض). لكنّ الأخطاء كانت فظيعة هذه المرّة: توقّعت الاستطلاعات تفوّقاً بنسبة 15% لصالح بايدن في ولاية ويسكنسون (بحسب استطلاع «ذي واشنطن بوست» وشبكة «إي.بي.سي») فيما نجح بايدن هناك بنسبة ضئيلة جداً. وحصل شيء مشابه أيضاً في ولاية مين، حيث فازت سوزان كولنز بمقعدها في مجلس الشيوخ بنسبة مريحة، فيما توقّعت الاستطلاعات خسارتها بنسبة كبيرة. استطلاعات الرأي لم تكن يوماً علماً، ولن تكون مهما تحسّنت تقنيّاتها، وهي أقلّ فائدة في دولة تنقسم بنسبة النصف بين فريقَيْن متصارعَيْن. ولقد ساهمت وسائل الإعلام في الإساءة إلى استطلاعات الرأي، لأنّها خلقت ثقافة شيطنة ضد ترامب، ما دفع بالعديد من أنصاره إلى إخفاء أهوائهم عن المستطلعين خشية وصفهم بالعنصريّين (ولهذا تاريخ معروف في الاستطلاعات الأميركيّة، ويرتبط بظاهرة «وايلدر»، وهو كان مرشحاً لمركز المحافظ في ولاية فرجينيا في عام 1990 وفضحت الانتخابات يومها أنّ نسبة البيض الذين اقترعوا له كانت أقل بكثير من النسبة التي أبلغت شركات الاستطلاع بنيّتها الاقتراع له). أي أنّ تأييد ترامب مكتومٌ في تبيانات الاستطلاع، وهذا شبيه بنسبة التأييد المكتوم لمارغرت تاتشر في بريطانيا في الثمانينيات، إذ أنّ الشباب كانوا لا يفصحون عن نيّتهم الاقتراع لها، لأنّ ذلك لم يكن محبّذاً في الجو الشبابي البريطاني يومها. هذه مشاكل لن تُحل في استطلاعات الرأي هنا، مهما تعقّدت وتشعّبت النماذج الحسابيّة التي تعتمدها وسائل الإعلام، وشركات الاستطلاع، في توقُّع نتائج الانتخابات. لم تخطئ حنة أرندت عندما قالت إنّ السياسة لا تكون في التوقّع، وليس هذا شأنها. وفي لبنان، هناك لـ8 آذار شركات استطلاع معتمدة، وهناك أخرى معتمدة لـ١٤ آذار، وهي قادرة على توقّع نتائج انتخابات ملائمة لكلّ طرف، كما أن شركة «زغبي» باتت متخصّصة في إنتاج نتائج استطلاعات رأي في العالم العربي، تتّفق مع مصالح وتوجّهات محمد بن زايد.

أراد الحزب الديموقراطي ترجيح كفّة بايدن عبر جذب العمّال الصناعيّين البيض في الولايات التي خسرتها هيلاري كلينتون في آخر انتخابات

لم يكن سقوط ترامب – لو تأكد – عفويّاً أو نتيجة تقلّبات هائلة وجذريّة في أهواء الرأي العام. النتائج كانت متقاربة، لو حسبتها من خلال الكليّة الاقتراعيّة أو من خلال النسب على مستوى البلاد. ولقد نجح ترامب في زيادة تحالفه الانتخابي: فهو وإن خسر نسبة ضئيلة من الرجال البيض (من62% في عام 2016 إلى 58% في هذه الانتخابات) فإن عوّض عن ذلك بتحقيق نسب إضافيّة طفيفة من تأييد اللاتين (نحو الثلث) ومن السود (الذكور بصورة خاصّة). لكنّ نسبته من تأييد القوات المسلّحة انخفض إلى 52٪ فقط، وهذا غير مألوف للمرشح الجمهوري. وهذا التقلّص يكشف حقيقة أسباب خسارة ترامب. لقد شنّت البنية العسكرتاريّة – الاستخباريّة حملة لا سابق لها ضده، وهو استهان بعدائها له لأنّه غير متمرّس في الحكم والعمل السياسي. لم يكن ترامب يعلم أنّ هناك أثماناً باهظة يتكبّدها من رصيده السياسي كلّ رئيس يحاول أن يشنّ حرباً ضدّ أجهزة الاستخبارات، هي تعمل في الخفاء ولديها من مخزون المعلومات ما يجعلها خصماً لا يُستهان به. لم يكن ترامب يعلم أنّ شنَّ حرب علنيّة وسريّة ضد 17 وكالة استخبارات ذات ميزانيّة سرّية بعشرات المليارات لها أكلافها السياسيّة والشخصيّة. من سرَّبَ وثائق ضرائب ترامب، بعد سنوات من إصراره على عدم الإفصاح عنها؟ هل هناك غير وكالات الاستخبارات هذه، التي لديها القدرة على النفاذ إلى أماكن حفظ هذه الوثائق؟ ثمّ من الذي سرّبَ هذه الوثائق قبل أسابيع فقط من الانتخابات الرئاسيّة؟ ما يُسمّى في مصر بـ«الدولة العميقة» (وهي أعمق هنا من أيّ دولة أخرى في العالم، لأنّها دولة الإمبراطوريّة المترامية الأطراف) لم تكن راضية عن ترامب، وتركيبة السياسة الخارجيّة التقليديّة (من الديموقراطيّين والجمهوريّين) خشيَت من أن يقود ترامب الإمبراطوريّة إلى حتفِها. لم يسبق في السنوات الماضية، أن حظي مرشّح بهذا الإجماع من قبل نخبة الحزبَيْن في السياسة الخارجيّة كما حظي بايدن، وهذا مؤشِّر إلى الانحراف الذي قاده ترامب في نظر هؤلاء.

ستعود قيادة إمبراطوريّة الحرب الأميركيّة إلى أيدٍ أمينة موثوق بها، وستحسِّن من مسار الإمبراطوريّة لضمان استمراريّتها. قادة القطاع الاستخباري – العسكري عبّروا عن الكثير من القلق في ظلّ إدارة ترامب. إنهاء حالة العداء مع كوريا الشمالية، مثلاً، كان مثاراً للقلق الذي تسبّبت به سياسات ترامب. إنّ حالات العداء التقليديّة ضرورة من ضرورات سياسة الإمبراطوريّة – وفي أي حال لم يُسمح لترامب بالمضي في سياساته المهادِنة لكوريا الشمالية، كما أنّه لم يُسمح له بسحب القوات الأميركيّة من أماكن مختلفة في العالم. نشر القوات ضرورة من ضرورات الإمبراطوريّة الحربيّة، والتهريب ضرورة للحدّ من التهديدات لمصالح قوة الحرب الأميركيّة. وقد خشي خصوم ترامب من خبراء الإمبراطوريّة من تفكيك «حلف شمال الأطلسي»، وذلك بحجّة التخفيف من نفقات الالتزام الأميركي. وكان ترامب على حق بأنّ اهتمامه بأولويّة تحسين الاقتصاد وتخفيض الأعباء الماليّة للسياسة الخارجيّة (باستثناء ميزانيّة الدفاع والاستخبارات) ستعود بالنفع المالي على أميركا.

فضحت الأزمات السياسيّة الأميركيّة في السنوات الماضية هشاشة الديموقراطيّة الأميركيّة. فقَد النظام السياسي الكثير من خواصه التي كانت أميركا تزهو بها بين الأمم، عن عراقة ديموقراطيّتها. التهديد الأكبر للنظام السياسي، برز في انتخابات عام 2000، عندما تقرّرت الانتخابات الأميركيّة في المحاكم وليس في صناديق الاقتراع. النظام السياسي يفقد شرعيّته، أو تصبح الشرعيّة مرتبطة فقط بتطابق الحزب الحاكم مع أهواء الناخب: الديموقراطي لا يرى شرعيّة خارج حكم حزبه، والعكس صحيح في حالة الجمهوريّين – أو هي أعمق في حالة هؤلاء. أنصار الحزب الجمهوري أكثر تعصّباً لفريقهم وأكثر استعداداً للجوء إلى الحيَل والخدع والطرق الملتوية للبقاء في السلطة. لم يكن أنصار ترامب يمزحون عندما كانوا يهتفون لولاية ثالثة له (التعديل الدستوري الثاني والعشرون يحدّد ولاية الرئيس بولايتَيْن فقط). وظاهرة ترامب ليست، كما يحاول الإعلام الليبرالي تصويرها، ظاهرة شخص واحد يمرّ مروراً عابراً في السياسة السياسيّة الأميركيّة. هي نتاج عوامل تحتدم في النظام السياسي، منذ التسعينيّات على الأقل. يكفي أن تعرف أنّ البيض الذكور لم يختاروا رئيساً من خارج الحزب الجمهوري منذ عام 1977، وهم بذلك يثورون على تحالف النساء والملوّنين في الحزب الديموقراطي (زيادة ترامب في الانتخابات الأخيرة من نسبة تأييد الذكور السود، لم تظهر في التغطية الليبراليّة له، لأنّها تريد جعله ظاهرة محصورة بالمتطرّفين لأنّها لا تريد أن تعترف بعمق الأزمة السياسيّة الأميركيّة). قد لا يختفي ترامب عن الساحة السياسيّة بعد سقوطه، لكن سيأتي مثله – الكثير مثله – في السنوات المقبلة. كانت معادلة ترامب ناجحة: هذه شعبيّة الرئيس بين أعضاء حزبه لم يسبق لها مثيل، حتى أنه فاق شعبيّة ريغان في عزّه. وهذا العامل يمنع حتى خصوم ترامب في داخل حزبه من المجاهرة بانتقاده.

هناك سيناريوات حقيقيّة لتقويض النظام السياسي الأميركي من الداخل. تتخيّل ترامب، مثلاً، أو غيره في المستقبل، وهو يحضّ أنصاره على اقتحام مراكز الاقتراع لتعطيل عميلة عدّ الأصوات (القانون المحلّي في أريزونا يسمح للمتظاهرين بمحاصرة مراكز عدّ الأصوات، وهم مدجّجون بالسلاح الظاهر). وقد غرّد ترامب، قبل يومين، مطالِباً بـ«وقف العد». هذه الجملة لو صدرت عن زعيم دولة في العالم النامي، لكانت أدّت إلى تقريع فوري من وزير الخارجيّة الأميركي، إلّا إذا كان هذا الزعيم من أدوات أميركا الكُثُر في العالم الثالث. هناك بوادر على حالة تمرُّد في النظام الحاكم. تسرّب أنّ وزير الدفاع الأميركي السابق، جيمس ماتس، اتّفق مع البعض في هيئة الأركان على معارضة ترامب، في حال أصدر أوامر اعتبروها مناقضة للمصلحة الأميركيّة العليا، وقادة في مكتب التحقيقات الفدرالي تباحثوا في انتخابات عام 2016 في إمكان تعطيل انتخاب ترامب. كان النظام الأميركي مستقرّاً عندما كانت الشرعيّة محلّ إجماع بين الناس، وعندما كان الحزبان متقاربَيْن في الموقع نحو الوسط الأميركي المحافظ. لكنّ الحزب الجمهوري سافرَ كثيراً نحو اليمين ممّا كان عليه من قبل، والتحالف الجديد للحزب الديموقراطي يدفعه نحو الليبراليّة، فيما قيادة الحزب لا تزال في حالة رفض الواقع والإصرار على البقاء في موقع الوسط المحافظ. هي معركة أجيال في داخل الحزب الديموقراطي، وينعكس ذلك على سياسات الحزب نحو الاحتلال “الإسرائيلي”.

سخِرت أميركا كثيراً من أنظمة في العالم النامي، وهي باتت تحمل سمات بعض تلك الأنظمة. هل يرفض ترامب مغادرة البيت الأبيض؟ هل سيحرّض أنصاره على التمرُّد المسلّح؟ هذه الأسئلة لم تعد سيناريوات أفلام هوليوود. وإمكانيّة طرد ترامب من البيت الأبيض بالقوّة ليست مستعبدة. يمكن لنا اليوم الاستعانة بأمثلة من أنظمة في العالم الذي لا يعتبره الغرب متحضِّراً لتوقُّع مجرياتٍ سياسيّة أميركيّة. لعلّ مشاغلهم الداخليّة تصرفهم عن دول العالم النامي، وتقلِّل من حوافز شنّ حروبهم التي تبدأ ولا تنتهي.

* كاتب عربي
(حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)



River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Wednesday, 5 February 2020

أميركا ستهبّ لنجدة فاسدي لبنان: إنقاذُ النظام




(مروان طحطح)

سُرَّ بعض اللبنانيّين بمشهد الإعلامية الدعائية (الصهيونية حكماً)، هادلي غامبِل، وهي تُمطر جبران باسيل بوابلٍ من الاتّهامات والأسئلة. ثم زادت عليها باستفتاء جمهور الجلسة (في مدينة «دافوس» الثورية الجماهيرية) على أدائه، لكأن النائب في لبنان مسؤول، ليس أمام الشعب اللبناني، بل أمام جمهور «دافوس». والطريف في الموضوع أن بعض من يصيحون بهتاف الثورة (أو «ثاو، ثاو، ثورة») في لبنان، سطّر رسائل استجداء وإلحاح على القيّمين في «دافوس»، من أجل منع ظهور باسيل، بينما مرور مجرمي حرب صهاينة وفاسدين من لبنان والعالم العربي في دافوس، على مرّ السنوات، لم يستفز هؤلاء الثوار. لكنّ ظهور باسيل ــ على سوئه وعنصريته وعدم كنّه عداءً لإسرائيل ــ استفزّهم. أمّا الطلب من «دافوس» تفهّم مشاعر «ثوّار» في لبنان، فيخفي جهلاً أو عدم اكتراث بدور «دافوس» في الترويج لوصفات المصارف العالمية الكبرى، وصندوق النقد، والبنك الدولي، أي الترويج لتلك البرامج التي قادت لبنان إلى الكارثة. والإعلامية المُقيمة في الإمارات (والمعروفة بتطبيلها وتبجيلها لطغاة الخليج، على طريقة عوني الكعكي، لكن باللغة الإنكليزية) تعاملت مع المقابلة، على أنها مباراة ملاكمة حكّمت فيها حكّام الخليج ومصارف الغرب والبنك الدولي. صفّق بعض ثوار لبنان لهذه الإعلامية، لأن تعاطف الرجل الأبيض مع قضايا بعض سكان المنطقة يُشعرهم بالأهمية. لبنان بلد قام مسؤولون فيه بمنح جون بولتون (الداعي للحروب ضد العرب والمسلمين والمعروف بتعصّبه ضد الإسلام والمسلمين)، درع ما يُسمَّى بـ«ثورة الأرز»: وهل قبّح تاريخ الثورات في العالم إلا إطلاق وزارة الخارجية الأميركية على همروجة رفيق الحريري، وصف «الثورة»؟
الحكومة الأميركية، كانت مُحكمة بإعلان موقف ما ضدّ مكافحة الفساد في لبنان. والفساد هو النافذة التي تمرّ من خلالها المؤامرات الأميركية السرية، والسياسات التي يصعبُ أن تصدر عن ممثّلي الشعب في بلد مثل لبنان، وله من الشكل الديموقراطي والتمثيل السياسي ما ليس للحلفاء الوثيقين لأميركا في بلادنا. الفساد هو المجال الذي يسمح لأميركا بالتعامل السهل مع حكومات، وفرض رؤى تخالف إرادة الشعوب. الفساد هو المجال الحيوي للسياسات الغربية، لأنه يمنحها ما لا تستطيع الديموقراطية أن تمنحها إياه. خذوا حالة فلسطين، حيث طالبت إدارة جورج بوش، وسمحت، بإجراء انتخابات، في عام ٢٠٠٦، فقط لأنها عوّلت على تمويلها ودعمها لحركة «فتح». وعندما جاءت النتائج مُخيّبة للسياسة الأميركية، انقلبت الإدارة على النتائج وشاركت في مؤامرة دحلانيّة لقلب الحكم المنتخب ديموقراطياً، فقط لأنّ أعوان أميركا في «فتح» فشلوا. أي أن أميركا تختار الفساد الفتحاوي العريق على نتائج انتخابات ديموقراطية. والأمر نفسه في لبنان. كان النظام اللبناني الرئاسي الاستبدادي، خير نظام لدول الغرب كي تستعمل الساحة اللبنانية لضرب الاتحاد السوفياتي ومصالحه، ولضرب قوى القومية العربية واليسار (لم يكن هناك اختيار في النظام السياسي اللبناني قبل الحرب، إلّا في قدرة النواب على اختيار رئيس بين عدد قليل من المرشّحين: وكل الانتخابات الأخرى كانت فروعاً للصراع بين زعماء موارنة نافذين).
أما قانون السرية المصرفية، فقد كان حاجة ضرورية لحكومات الغرب، لأنها كانت تضخّ أموالاً طائلة في المصارف اللبنانية، لتمويل عمليات استخبارية وإرهابية غربية ضدّ أعداء أميركا وإسرائيل، كما أن القانون غطّى على عمليات الإنفاق التي كانت حكومات الخليج تقوم بها، لدعم حلفاء أميركا وإسرائيل في لبنان، بينما خلق أيضاً تعدّد الصحف ذات الولاءات الخارجية في لبنان. قانون السرية المصرفية، هو تعطيل للانتخابات في بلد عربي مثل لبنان، حيث يمكن للشعب أن ينتخب ممثلّين عنه (ضمن شروط القوانين الانتخابية المُقيِّدة للحرية الديموقراطية)، ومن دون ضوابط حقيقية فعلية على الإنفاق الانتخابي. هذا تماماً ما تريده أميركا. إنّ حرية الإنفاق الانتخابي، تسمح لأميركا (وللدول الغربية ودول الخليج) التأثير في نتائج الانتخابات لصالح مرشحين يأتمرون بإمرتها. لم تكن انتخابات الرئاسة في تونس، في عام ٢٠١٤، تعبيراً عن إرادة الشعب التونسي، بقدر ما كانت تعبيراً عن إنفاق دول الخليج والغرب لصالح الباجي قائد السبسي. ويمكن اعتبار كلّ الانتخابات النيابية في لبنان، متأثّرة بالتمويل الغربي (والعربي والإيراني في بعض الأحيان). لكن الانتخابات النيابية، منذ عام ٢٠٠٥، كانت، في حسم نتائجها لصالح ١٤ آذار، تعبيراً عن الإغداق المالي الغربي والخليجي. حتى الإعلام الغربي، لاحظ حجم الإنفاق الغربي ــ الخليجي في انتخابات ٢٠٠٩ (قلّ أو اضمحلّ التمويل الخارجي في الانتخابات الأخيرة. ففازت قوى ٨ آذار). وكتاب «حبال من رمال» لعميل الاستخبارات الأميركية، ويلبور إيفلاند، الذي صدر قبل ٤٠ سنة، يفصّل حمل حقائب المال الأميركي لكميل شمعون في الخمسينيّات. الفساد، هو الذي يسمح لأميركا بالتأثير المباشر في الأنظمة الاستبدادية، عبر رعاية الطغاة الفاسدين، وعبر دعم اختيارات أميركية بالمال (في بلد مثل لبنان). والملاحظ، أن مطالب المحتجّين والمحتجّات في لبنان لا تتّفق على الكثير، باستثناء طلب إجراء انتخابات نيابية فورية. وهو طلب غير مفهوم، لأنّ الطبقة الحاكمة تستطيع أن تجدّد لنفسها وأن تتأقلم مع أيّ نظام انتخابي كي تعود. ويمكن لتيّارات جديدة أن تحصل على مقعد أو معقديْن فقط، خصوصاً أن إجراء انتخابات على مستوى كلّ لبنان، يتطلّب تنظيماً على مستوى الوطن لا يتوفر إلا للأحزاب النافذة، كما ستعطي الانتخابات حظوة لمن يراكم أصواتاً على مستوى كلّ الوطن. لكنّ مطالب الحراك لا تتحدّث عن مكمن الفساد الكبير في انتخابات لبنان، أي الإنفاق الانتخابي.
أميركا تبسط نفوذها إمّا بالقوة العسكريّة أو بالمال والفساد، لكن حتى مع وجود القوة العسكرية فهي تحتاج إلى الفساد
إنّ الإنفاق الانتخابي، هو الذي يسمح للزعماء بالاستفادة من ثروات طائلة، ومن تحالفات مع أثرياء، كما أنّ معظمهم (خصوصاً في المحور السعودي ــ الأميركي) يتمتّع بالدعم المالي الغربي الذي لم يتوقّف عن التدخّل في الانتخابات النيابية اللبنانية، منذ الاستقلال. ركّز الحراك على ضرورة إجراء انتخابات عاجلة، بدلاً من التركيز على تعطيل الحظوة المالية للمرشّحين والأحزاب في لبنان. لكنّ أميركا، وهي أكثر الدول تدخلاً في العالم العربي، وإن كان شعار «لا أميركا، ولا إيران» يحاول أن يخفّف من حجم تدخلها، ستقاوم سنّ قانون انتخابي يعطّل الفساد الذي تنفذ منه.
جيفري فيلتمان تقاعد من الإدارة الأميركية، بعدما كان له دور رئيس في صنع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، بالتنسيق والتعاون مع اللوبي الإسرائيلي. ليس فيلتمان من صنف المستعربين، الذين يعرفون ثقافة ولغة وتاريخ العالم العربي (في كلّ سنواته لم يستعمل إلا كلمة «شكراً»، وكانت تصدر عنه بلفظ مبتكر). هو من الصنف الجديد في عملية صنع السياسة الخارجية في الشرق الأوسط: لم تعد المعايير تعتمد على التخصّص، بقدر اعتمادها القدرة على التعبير والتصريح بأولويات وسياسات اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. كما أنّ المعيار يعتمد على القدرة على السيطرة على أدوات أميركا في المنطقة، وقد أحسن فيلتمان إدارة وتسيير أمر فريق ١٤ آذار في لبنان، فحُسبت هذه له من قِبل اللوبي الإسرائيلي. هناك من حاول، أخيراً، أن يعِظ بشأن دور فيلتمان، مثل ساطع نور الدين، الخبير الجديد والفريد في السياسة الخارجية الأميركية، والذي أعلن قبل شهر من ظهور جاريد كوشنر على كل الشاشات العالمية، لإطلاق «صفقة القرن» التي أعدّها ويروّج لها، أنّ ترامب أقصى كوشنر عن كلّ ملفات السياسة الخارجية (وهذه المعلومة هي حصرية لساطع نور الدين). قال البعض إن فيلتمان تقاعد، ولم يعُد له دور في الإدارة.
لكن المُتقاعد في الإدارة الأميركية، وخصوصاً بمستوى فيلتمان ومركزيّة دوره في اللوبي الصهيوني على مرّ سنوات طويلة، يبقى نافذاً في العاصمة، ليس فقط بحكم موقعه في مراكز الأبحاث والإعلام الأميركي، بل أيضاً في الكونغرس الأميركي. عندما حضر فيلتمان جلسة استماع في الكونغرس، كان يعطي نصحاً لساسة يثقون في منطلقات توجّهاته وصهيونيّته. والنافذون في الإدارة، يعقدون جلسات سرّية في مختلف وزارات ووكالات السلطة التنفيذية، يدعون إليها مسؤولين سابقين مثل فيلتمان. وعليه، فإنّ فيلتمان يظلّ، مؤثّراً بدرجة، في ما يحصل في داخل الإدارة. وينسى هؤلاء أن الإدارات الأميركية، في البيت الأبيض تحديداً، تدعو مسؤولين أميركيّين متقاعدين خبراء في مناطق مختلفة في العالم، إلى جلسات واجتماعات مُغلقة. فعندما واجه جيمي كارتر أزمة الرهائن، دعا مستشاره للأمن القومي مسؤولين خبراء متقاعدين، مطّلعين أو متخصّصين في الشأن الإيراني، من قطاعات مختلفة في الحكومة الأميركية.
لكن توقيت تقرير جيفري فيلتمان، في موقع «مؤسّسة بروكينغز» (يُعدّ مركز الأبحاث هذا قريباً من الحزب الديموقراطي، ويمكن تصنيف مراكز الأبحاث في واشنطن بناء على قربها أو بعدها ــ تمويلاً ــ من أنظمة الخليج، إذ إن معظمها مُموّل من النظام السعودي أو الإماراتي أو كليهما، فيما يستفيد «بروكينغز» من تمويل قطري، كما أن قطر تستضيف فرعاً للمؤسّسة التي يدير عملها الشرق أوسطي، مارتن أنديك، خرّيج اللوبي الصهيوني ومؤسّس الذراع الفكرية له، أي «مؤسّسة واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»). عبّر التقرير عن هلع ممّا يمكن أن تصيبه حملة مكافحة الفساد من أعوان وأدوات واشنطن في لبنان. وهنا الدور الذي يلعبه ــ وفق خطة مرسومة ــ مسؤولون سابقون في الإدارة الأميركية، لأنّه يمكن لهم التعبير عن مخاوف وقلق يصعب على مسؤولين سابقين التعبير عنه. يسمّي فيلتمان بالاسم أشخاصاً محدّدين، ويتوقّع أن تؤدّي حملة مكافحة الفساد ضمن الحكومة الحالية، إلى النيل من أعداء حزب الله في لبنان. بهذه الصراحة، عبّر فيلتمان عن نفسه (وعن غيره). وقال إن الحملة التي ستقوم بها حكومة حسّان دياب، يمكن أن تؤذي فؤاد السنيورة وسعد الحريري ووليد جنبلاط «وحلفائهم». وهذه التسمية تشرح الكثير عن أدوار هؤلاء الداخلية، بإيعاز من الخارج. أميركا تتخلّى عن حلفائها من دون ندم عندما تستنفدهم، وتدافع عنهم طالما هم مستعدّون وقادرون على خدمة مصالحها. وهذه التسمية هي نتاج مباحثات، لا بدّ أن تكون قد حدثت بين مسؤولين أميركيين (سابقين وحاليّين)، وبين أعوان أميركا الذين طلبوا منها حمايتهم من حملات مكافحة الفساد. وكما أنّ النظام السوري كان يحمي فاسديه في لبنان (الذين كانوا مرتبطين بفاسدين في داخل النظام السوري)، فإنّ الحكومة الأميركية هبّت اليوم لإعلان إطلاق عملية الدفاع عن فاسدين موالين لأميركا في لبنان. فيلتمان يكنّ ضغينة ضدّ ميشال عون، أفصح عنها في مقالته، عندما لامه لأنه شنّ «هجوماً على الفساد» بعد عودته إلى لبنان. قالها فيلتمان حرفيّاً، أي أنّ جريمة ميشال عون أنه أطلق حملة ضد الفساد بعد عودته، لأنّ ذلك يعني، بحسب فيلتمان، ملاحقة عائلة الحريري ووليد جنبلاط. ولا شكّ في أنّ فيلتمان عبّر، في المقالة، عن حالة من الذعر تسود بين فاسدي أميركا في لبنان. مشهد طرد السنيورة من الجامعة الأميركية، يُعدّ إهانة شخصية لجورج بوش، راعي السنيورة الأوّل.
وفي حديثنا عن فيلتمان، لا يجب أن نزيل من الحسبان عامل الفساد عند المسؤولين الأميركيين السابقين، إذ يحكم أداء هؤلاء في سنوات الخدمة، نظرتهم إلى مستقبلهم في الـ«بزنس» بعد تقاعدهم. أستطيع أن أقول إن كلّ سفير أميركي في السعودية (باستنثاء هيوم هوران، الذي طرده الملك فهد من المملكة لأنه، وهو الضليع بالعربية، كان يخوض نقاشات مع رجال دين)، ارتبط بعلاقات مالية مع أمراء سعوديين. تحادثتُ مطوّلاً عن السعودية مع السفير الأميركي السابق، تشاز فريمان (المكروه من قبل اللوبي الصهيوني) وسألته إذا ارتبط هو الآخر بعلاقات ماليّة، فأجابني بالإيجاب. خذوا وخذنَ السفير السابق في بلادنا والمسؤول عن الشرق الأوسط في إدارة رونالد ريغان، ريتشارد مورفي (آخر المُستعربين): لم يصبح مستشاراً لرفيق الحريري والنظام السعودي بعد تقاعده، بل إنّ زوجته أيضاً عملت في مؤسسة الحريري في واشنطن. هذا فساد قانوني في أميركا. تقرأ وثائق «ويكليكس»، وترى كم كان فيلتمان هذا مبهوراً بثروات فاسدي لبنان. في لقاء بين سفير أميركي وبين نجيب ميقاتي، تجد جيفري فيلتمان مبهوراً بثروة ميقاتي يسأله بالتفصيل عن مكان إقامته في مونت كارلو، وإذا كان قد ابتاع لنفسه منزلاً هناك. لو فتّشنا في الحسابات المالية لفيلتمان، لا أستبعد أن يكون مرتبطاً مالياً بعدد من فاسدي لبنان.
ركّز الحراك على ضرورة إجراء انتخابات عاجلة بدلاً من التركيز على تعطيل الحظوة المالية للمرشّحين والأحزاب في لبنان
وبلغت الوقاحة الخاصّة بفيلتمان، أنه شبّه حكومة «اللون الواحد» الحالية بحكومة يكرهها، ألا وهي حكومة عمر كرامي الأخيرة، لكأن هذه الحكومة سرقت ونهبت من الخزينة، كما فعلت حكومة أميركا الواحدة بقيادة الحريري أو السنيورة أو ميقاتي أو تمام سلام. فيلتمان لا ينصح بمقاطعة حكومة حسان دياب، لأنّه يحذّر من عواقب عزل السلطة، ما يُضعف المصالح الأميركية. وأشار تحديداً إلى المصالح الأميركية في منع السيطرة الروسيّة على ثلاثة موانئ شرق أوسطية، ومحاربة الإرهاب والطاقة. أي أن أميركا تريد حصّةً من الفساد اللبناني. وحذّر فيلتمان من قطع العلاقات بين الجيش اللبناني والحكومة الأميركية. كذلك، فضح فيلتمان الدافع الأميركي من وراء تمويل ومدّ الجيش بسلاح بدائي ضعيف: ليس الموضوع هو حماية لبنان، بل إن الجيش هو «الأداة الأفعل لتقويض سرديّة حزب الله الخبيثة عن حماية لبنان». يصرحّ فيلتمان، هنا، للشعب اللبناني بأنّ موضوع حماية لبنان، لا صلة له البتّة بالتسليح الأميركي، بل إنّ هذا التسليح هو عمل دعائي لإيهام الشعب اللبناني بأنّ هناك قوّة تستطيع أن تكون بديلة عن المقاومة (طبعاً، رأى الشعب اللبناني بأم العين أنّ الجيش المُجهَّز أميركياً وقف عاجزاً أمام هجمة «داعش» و«النصرة»، إلى أن أنقذه حزب الله، كما وقف عاجزاً أمام زعران «القوّات» في جلّ الديب). لا نحتاج إلى خبير أو مسؤول من مرتبة فيلتمان، كي يعترف لنا بأنّ التسليح الأميركي للجيش، لا علاقة له البتّة بالدفاع عن لبنان، لأنّ نوعيّة السلاح والمبالغة في تقدير ثمنه وقوته، أمر ظاهر بصورة مضحكة في الاحتفالات التي يعدّها قائد الجيش الحالي لوصول أي مساعدة أميركية، ولو كانت صندوقاً من المسدّسات أو الخرطوش.
ويعترف فيلتمان، أخيراً، بما اعترف به بخفر في جلسات الاستماع في الكونغرس، قبل أسابيع، أي أنّ الحكومة الأميركية لن تقطع مع الفاسدين في لبنان. هو يقول: «نحن نتعامل مع أمراء حرب كثيرين في أفغانستان وأماكن أخرى»، أي أنّ القطع مع الفاسدين لا يمثّل السياسة الأميركية ولا يخدم مصالحها، وهو محقّ في ذلك، إذ لم يطب المقام لأميركا في احتلال بلادنا، من دون إنشاء طبقة من الفاسدين لخدمة مصالحها: من العراق إلى فلسطين إلى ليبيا، إلى عهد أمين الجميّل في لبنان. الاحتلال الخارجي يحتاج إلى طبقة فاسدين لخدمته، وهناك سبب آخر لهذا العامل: تختلف السياسة الأميركية عن السياسة السوفياتية في بلادنا في الحرب الباردة. في تلك الحقبة، كان الكثير من العرب مستعدّاً لأن يتطوّع لخدمة الاتحاد السوفياتي لأنه، بدرجة ما، حمل قضايا عربية حاربتها أميركا وإسرائيل. أما أميركا، فلو أنها دولة غير غنيّة، مثل كوبا أو فنزيلا اليوم، فإنها لن تجد موالين لها. المال والنفوذ السياسي (بالإضافة إلى القوّة الصلبة)، هي سلاح أميركا، والفساد حيوي وضروري للسماح لها ببسط السيطرة والنفوذ في منطقتنا. أميركا تبسط نفوذها، إمّا بالقوة العسكريّة أو بالمال والفساد، لكن حتى مع وجود القوة العسكرية فهي تحتاج إلى الفساد، لأنّ هوّة تفصل بين المصالح الأميركية ــ الإسرائيلية، وبين تقدير المصلحة العربية من منظور الفرد العربي (لو أن للقراء العرب حقّ الاختيار، هل كان يمكن لهم مثلاً اختيار أبواق الطغاة كمعبّرين عن مشاعرهم وآمالهم؟).
ويختم الناصح فيلتمان تقريره، بالطلب من حكومة بلاده استغلال الوضع الاقتصادي الضاغط والبائس في لبنان. هذه هي أميركا: تجعل من مصائب الشعوب فرصاً للاستغلال والسيطرة والفساد، لها ولأعوانها. وهذا الاستغلال سيتّخذ شكل ربط المساعدات الاقتصادية بتقليص تمثيل الحزب في الحكومة، وحماية فاسدي أميركا من المحاسبة والمقاضاة. وهؤلاء الأثرياء الفاسدون يقدّمون خدمات شتّى للعمليات السرية للحكومة الأميركية (مثل الإنفاق على عمليات غير مشرّعة من الكونغرس، أو تحويل أموال، أو تمويل عصابات موالية لأميركا، إلخ). أميركا مُمسكة بخناق كل الأثرياء في العالم العربي، ولهذا كلّهم مطواعون خانعون لها، مثل أثرياء فلسطين الذين لا يدعمون الحركات المقاوِمة من أجل فلسطين. تستطيع حكومة أميركا، بقرار من وزارة الخزانة، تقويض ثروة ملياردير عبر فرض عقوبات، ومنعه من استخدام النظام المالي العالمي وتجميد أرصدته.
الخلاصة: تريدون مكافحة الفساد؟ غير ممكن من دون مكافحة السيطرة الأميركية ــ الإسرائيلية في بلادكم. لكنّ الموقف الأميركي سيكون: تريدون مساعدات وإخراج لبنان من الكارثة؟ هناك ثمن يجب تدفيعه لحزب الله وحليفه العوني. نشرت صحيفة «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء الماضي، مقابلة مع مَن وصفته برئيس حكومة لبناني سابق (أي السنيورة)، وفيها يوضح هذا النقي التقي الورع، أنّ الحكومة الأميركية ستشترط تغييراً في سلوك حزب الله في الداخل والخارج. ماذا يقصد حضرته الوثيق الصلة؟ تغيير السلوك، مثلاً، نحو إسرائيل والصهيونية، كي يوافق الحزب على استراتيجية الدموع والعويل التي انتهجها السنيورة بديلاً من المقاومة المسلّحة في حرب تمّوز؟ وهذا الرجل نفسه كان قد وعد أنه سيحرّر مزارع شبعا بـ«النضال الديبلوماسي»، وما زلنا ننتظر ثمار نضاله.
هناك صفقة ستجري في لبنان على حساب العدالة الاجتماعية. سيأتي الغرب إلى لبنان بصفقة مثل صفقة مورفي، في عام ١٩٥٨، عندما اتفقت الإدارة الأميركية وجمال عبد الناصر على تشريع فؤاد شهاب رئيساً توافقياً في لبنان. أميركا ستربط مساعداتها للبنان بحماية كلّ فاسديها (أي الأكثرية الساحقة من الطبقة الحاكمة في لبنان) مقابل مساعدات مشروطة. هي تريد النظام الذي خدمها منذ استقلاله، وهي ستحاول أن تحدّ من نفوذ حزب الله، وأن تفرض تغيير نهجه المقاوِم. لكن هيهاتِ.
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Tuesday, 30 May 2017

ترامب العرب: المقايضة الكبرى أم الخيبات الكبرى؟

الكاتب : أسعد أبو خليل

يمكن تحليل زيارة ترامب لبلاد العرب على أكثر من مستوى. المستوى الاستعراضي ـ الشكلي كان مشغولاً بعناية (بعناية فوضى رقصة العرضة في الجنادريّة). أراد آل سعود وصحبهم في مجلس التعاون الخليجي أن يبهروه بالفخامة (المبتذلة والمُفرطة، على طريقة الفخامة «الجماليّة» لدبي أو لاس فيغاس — مصدر إلهام المدينة الأولى) والفقاعة الاحتفاليّة.

الاحتفال بترامب كان أقرب إلى التقديس والتبجيل منه من الاحتفاء الرسمي البروتوكولي (بساطة استقبال ترامب في دولة العدوّ كانت من أجل التوكيد أن إسرائيل لا تحتاج إلى همروجة وإنفاق الأموال لشراء صداقة أميركا). وآل سعود استفاقوا من صدمة فوز ترامب. فالرجل كان على مرّ العقود يسخر من حكّام الخليج، ويقرّعهم دوماً، وظلّ طيلة أشهر حملته الانتخابيّة يطالبهم بدفع ثمن حماية أميركا لهم. حكام الخليج استثمروا في حملة هيلاري كلينتون الانتخابيّة لأن «مؤسّسة كلينتون» الفاسدة كانت تستفيد من عطايا ماليّة سخيّة من حكّام الخليج وشركائهم في «البزنس». وكانت صحافة النفط والغاز تزخر بمقالات هجاء (معظمها للبنانيّين) ضد ترامب، وتصنّفه في خانة الشعبويّين الخطيرين. وفي تلك المرحلة، كانت صحافة الخليج تنسب عداء ترامب لسلالات النفط والغاز إلى عداء مستحكم من قبله ضد الإسلام والمسلمين. لكن كل ذلك تغيّر. فجأة، تغيّرت أوامر الأمير الراعي للصحف العربيّة. توقّف دفق المقالات ضد ترامب، وتبخّرت التحليلات الشعبويّة التي كانت شبه يوميّة. كانت مقالات الترحيب بترامب من عبد الرحمن الراشد إيذاناً بمرحلة جديدة، وعندما يفتي الراشد (الأقرب إلى مصدر القرار) يتبع الباقون على الفور، وبلا سؤال أو جدال.

فهم الحكم الجديد في السعوديّة أصول اللعبة. ترامب لا يأبه للثبات في المواقف ولا التمسّك بالمبادئ في السياسة، ولا للانسجام الأخلاقي والسياسي. معاييره في السياسة مبنيّة على مصلحته السياسيّة والاقتصاديّة، وهي بدورها مبنيّة على تحقيق وعوده في زيادة الوظائف للشعب الأميركي. هو يعلم، مثل غيره من الحكّام، أن إمكانيّة إعادة انتخابه أو تعزيز فرص حزبه بالفوز بالانتخابات النصفيّة يتقرّر على أساس الوضع الاقتصادي والسياسات المحليّة وليس السياسات الخارجيّة (إلا إذا أدّت إلى كارثة بالمنظور الأميركي المحض). وبالغ العرب (والغربيّون) في توقّع تغيير جذري في السياسة الخارجيّة لأميركا لأنهم قلّلوا من صعوبة تغيير سياسات الإمبراطوريّة الخارجيّة بصرف النظر عن شخص الرئيس. وكما أن أوباما أكمل سياسات وحروب سلفه (وبنى عليها)، فإن ترامب سيكمل سياسات وحروب سلفه (ويبني عليها).

والحكم السعودي مشغول بتعزيز موقعه في العاصمة واشنطن. العمل الدعائي السعودي يتعاظم، واللوبيات تتوالد كالفطر، وهي منفصلة عن لوبيات النظام الإماراتي والقطري (وأمارات الخلاف بين الدول الثلاث  تظهر في إعلامهم وفي تقارير مراكز الأبحاث المُمولّة منهم، والخبراء في واشنطن ينحازون لهذا الطرف أو ذاك بناء على تمويل المركز). وعندما طار الأمير محمد بن سلمان بصورة عاجلة بعد انتخاب ترامب، عرف ما يريده الأخير. فهو صرّح أكثر من مرّة في حملته الانتخابيّة أن الحكم السعودي ما كان قد استمرّ في الحكم من دون الدعم الأميركي المباشر. وطالب الحكم السعودي بأن يسدّد نفقات حمايته الأميركيّة (كأن أميركا تحمي النظام السعودي حبّاً وبه وبسلالته). وكان محمد بن سلمان صريحاً في اللقاء المبكّر مع ترامب بأنّ النظام مستعدّ أن يلبّي مطالبه، وهي تتلخّص في ثلاثة أمور: ١) دفع نفقات الحماية الأميركيّة وهي بالمليارات، والتكفّل بدفع نفقات العمليّات العسكريّة في المنطقة (كما فعلت دول الخليج في حرب الخليج في عام ١٩٩١)، ٢) إنشاء جيش إسلامي (بقيادة سعوديّة) كي يقوم هو بمقاتلة أعداء أميركا في المنطقة، وكي يموت أفراده بالنيابة عن الجنود الأميركيّين. وهذا الجيش الإسلامي يضمّ طبعاً دولة العدوّ التي باتت أقرب إلى إسلام آل سعود من معظم المسلمين.

ومراسل «القدس العربي» في عمّان (وهو قريب من النظام) ذكر أنّ تقنيّة الأقمار الصناعيّة الإسرائيليّة ستكون جزءاً من هذا الجيش «الإسلامي». ٣) التعجيل بالتطبيع بين دول الخليج وبين دولة العدوّ الإسرائيلي. وكان ترامب جاهلاً بمدى عمق الروابط بين الحكومة الإسرائيليّة وأولاد زايد وآل سعود بصورة خاصّة. (طبعاً، حافظت سلالات قطر وعُمان والبحرين على علاقات سريّة مع العدوّ الإسرائيلي، والتنافس بين كل تلك الدول في تعزيز أواصر الصداقة مع العدوّ من شروط إرضاء الكونغرس الأميركي). وعندما أبدى الأمير السعودي استعداد نظامه للاستثمار السخي في أميركا (مباشرة أو عبر عقود صفقات أسلحة عملاقة)، غيّر ترامب من نمط تعاطيه مع النظام السعودي وعبّر عن رضاه فوراً. أصبح النظام السعودي نظامه المُفضّل بين الأنظمة (بالإضافة إلى نظام السيسي). والملك الأردني بالرغم من محاولات مستميتة منه (بما فيها التمترس في مقهى فندق كي يمرّ ترامب عليه للسلام بعد أن كان الأخير قد رفض استقباله مبكّراً  قبل غيره في البيت الأبيض)، لم يحظَ على رضى ترامب، ربما لأن ليس لديه ما يعطيه له. وهذا الرجل يبحث عن صفقات مقايضة في سياساته الخارجيّة. لكن الحفاظ على الصداقة مع آل سعود يجب أن يُقرأ كما باقي عناصر سياسة ترامب الخارجيّة: أي أن كلام الحملة الانخابيّة لا قيمة له في السياسة الخارجيّة إذا تناقض مع الثوابت في سياسات الإمبراطورية العالميّة.

والصفقات بين ترامب والسعوديّة كانت مذهلة في حجمها المُعلن: المبلغ قد يتراوح بين ٤٠٠ مليار و٥٠٠ مليار دولار، أي ما يعادل ما تبقّى من الاحتياط النقدي السعودي. صندوق الأجيال المقبلة في السعوديّة – نظريّاً فقط – سيذهب لحساب ترامب والحكومة الأميركيّة. والمبلغ يشمل صفقات تسلّح باهظة الأثمان بالإضافة إلى استثمارات في داخل أميركا. ما يريده ترامب ببساطة هو إعادة تدوير كل عائدات النفط السعوديّة في السوق الأميركيّة. والعائدات كانت في الكثير منها تُدوَّر في أميركا: بواسطة صفقات تسلّح عملاقة وفي استثمارات ماليّة سعوديّة (بلغ حجم شراء سندات الخزينة الأميركيّة ١١٠ مليارات دولار من السعوديّة و٦٠ ملياراً من دولة الإمارات و٣٢ من الكويت). لكن الإنفاق السابق لم يعد يكفي في عهد ترامب. وحجم الصفقة أسعدَ ترامب كثيراً، وهو -لا غيره- الذي دفع ترامب لاختيار السعوديّة كوجهته الأولى في سفرته الخارجيّة الأولى. هو أراد من الزيارة أن يُعزّز موقعه الداخلي في خضم أزمة سياسيّة قانونيّة. إعلان الوظائف الأميركيّة هو الجانب الذي شدّد عليه في حديثه للجمهور الأميركي.

لكن الإعلان التجاري الضخم محفوف بالمبالغات التي نعهدها من ترامب ومن آل سعود على حدّ سواء. لآل سعود سجلّ طويل في إعلان نيّات شراء ومنح مساعدات لا تتحقّق أبداً. نتذكّر التهليل اللبناني للمنحة السعوديّة للجيش اللبناني، كما نتذكّر مزاعم المنح التي أعلنها آل سعود لصالح الشعب الأفغاني والسوري في مؤتمرات متلاحقة على مرّ السنوات الماضية. وفي الجانب الآخر، لم يتبلّغ الكونغرس رسميّاً بعد، كما أشار موقع «ديفنس وان» في مقالة شكّكت في أرقام صفقة التسلّح، قرار صفقة السلاح. وأعطى الموقع المذكور مثالاً عن إعلان مماثل في عهد أوباما بقيمة ١١٥ مليار دولار لصالح الحكم السعودي. ومن هذا المبلغ، لم يتم الاتفاق على اتفاقيّات رسميّة إلّا بحجم نصف المبلغ، ولم يُسلّم من الصفقة إلا ما قيمته ٢٠ مليار دولار. ويفصل بين توقيع الاتفاقيّات الرسميّة والتسليم الرسمي للسلاح سنوات طويلة. وذكّر الموقع أن صفقة أُبرمت في عام ٢٠١٠ لطائرات «إف ١٥» للسعوديّة، لكن الطائرات لم تصل إلا في ديسمبر/ كانون الأول من عام ٢٠١٦. واللوبي الإسرائيلي بدأ بالتعبير الخجول (بعض الشيء) عن قلقه من حجم الصفقات تلك، مع أن العدوّ لا يشككّ بالنوايا الحسنة من آل سعود نحوه.

اللوبي الإسرائيلي له سلطة الموافقة على كل صفقات التسلّح للدول العربيّة. وقد أكّد مسؤولون في إدارة ترامب هذا الأسبوع أن صفقات التسلّح الخليجيّة لا تتناقض، أو لن تتناقض، البتّة مع الالتزام الرسمي الأميركي بالتفوّق النوعي للقوّة العسكريّة الإسرائيليّة وقدرتها على مجابهة تهديد من أكثر من دولة عربيّة. لكن القلق الإسرائيلي ينمّ عن تشكيك بقدرة النظام السعودي على الاستمرار. وفي حال سقوطه، تخشى دولة العدوّ أن يسيطر أعداء لها في المملكة على سلاح نوعي متطوّر. (طبعاً، يخضع السلاح المُصدَّر إلى المملكة لشتّى أنواع القيود والمراقبة: فالقوّات المسلّحة الأميركيّة تتواجد للسيطرة على طائرات ومراكز المراقبة كي تتيقّن من أن الأهداف لا تتضمّن دولة العدوّ، كما أن السلاح الأميركي المُصدّر إلى السعوديّة يكون أقلّ تطوّراً من صنف السلاح نفسه الذي تتلقّاه دولة العدوّ).

والصفقات المذكورة ليست مؤكّدة لسبب آخر: هي متأثّرة بعوامل سياسيّة واقتصاديّة. فلو هبط سعر النفط مجدّداً، فإن قدرة المملكة على التسوّق المهول تضمحلّ. والنظام، كما حدث في الشهر الماضي، بحاجة ماسّة إلى تحسين مستوى المعيشة في المملكة، وهذا الإنفاق هو ضروري ليس فقط من أجل الشرعيّة السياسيّة بل من أجل الحفاظ على سلامة النظام. وترامب كان واضحاً في إعلانه أنّ الهدف من هذه الاتفاقيّات (ونشر الإعلام السعودي ١٦ صنفاً منها، وهي كلّها من جهة واحدة، أي أن السعوديّة تعطي، وأميركا تأخذ) هو خلق وظائف عمل للشعب الأميركي. والإعلام السعودي قلّد إعلان ترامب وزعم أنّ الاتفاقيّات ستخلق فرص عمل للشعب في المملكة. لكن كيف سيحدث ذلك؟ إن شركات صنع السلاح موجودة في أميركا ومن المشكوك فيه أن يخلق فتح فرع لمصنع شركة تصنيع «الهليكوبتر» المقاتلة «بلاك هوك»، بقيمة ٦ مليارات دولار، وظائف كثيرة للسعوديّين (وعمالة مصانع السلاح تحتاج إلى مهارة وتدريب غير متوفّرة في المملكة). ومن المرجّح أن يكون المصنع للتجميع فقط، وبأسعار تجني منها الشركة الأميركيّة أرباحاً هائلة. أما شركة «جنرال داينمكس» فلم تعِد – خلافاً للمزاعم الواردة في الإعلام السعودي – إلا كلاماً عامّاً عن فتح فرع محلّي لـ«التصميم والتصنيع والهندسة والدعم للآليّات المقاتلة المصفّحة».

ماذا تريد أميركا من السعوديّة، ماذا تريد السعوديّة من أميركا. تريد الحكومة الأميركيّة من النظام السعودي المال، والمال الكثير: أما الطاعة فهي تنالها من دون كثير عناء. كما أنّ الحكومة الأميركيّة تريد أيضاً أن تتكفّل جيوش «مجلس التعاون الخليجي» بنفقات الدفاع الإقليمي عن الأنظمة، وقتال أعداء أميركا في المنطقة. لكن الأداء العسكري السعودي والإماراتي (المدعّم بتدخّل أميركي وبريطاني) في اليمن لا يطمئِن الراعي الأميركي. أي أنّ الاعتماد الأميركي على جيوش دول الخليج لتولّي المهام الاستعماريّة القتاليّة بالنيابة عن أميركا لن يؤتي ثماره. وهذه الخيبة ستقلّل من ثقة الحكومة الأميركيّة بدول الخليج. وهذه الخيبة قد تؤدّي – على الأقل في ظل هذه الإدارة – إلى تخفيف الوجود العسكري الأميركي في الخليج، إلا فيما يتعلّق بمهام خاصّة فقط بأميركا، لا بحلفائها. والتنسيق بين جيوش الأنظمة الموالية لأميركا ضعيف: فالنظام المصري لا يزال يرفض بالرغم من الإغراءات المشاركة البريّة في حرب اليمن، وقوّات الإمارات تحارب تلك الميلشيات الموالية للسعوديّة.

أما المهمّة الأخرى التي أوكلتها أميركا للحكم السعودي فتتعلّق بنشر الاعتدال ومحاربة التطرّف. ولمس «البلّورة السحريّة» من قبل الحكّام في الرياض كان بهدف افتتاح المركز المعني بمحاربة التطرّف ونشر الاعتدال (مَن ينشر هذا الاعتدال؟ دعاة الوهابيّة؟ أم كبار العلماء في الرياض؟). لكن ليست هذه المرّة الأولى التي تفتتح فيها السعوديّة مراكز لمحاربة الإرهاب. وهي افتتحت في فيينا مركزاً لحوار الأديان. ماذا حلّ به؟ وكيف يجري هذا الحوار الذي رافقه عشاء حميم بين عبدالله بن عبد العزيز وشمعون بيريز في نيويورك؟ وهناك أيضاً مراكز تأهيل الإرهابيّين في السعوديّة، والتي خرّجت أعضاء جدد في المنظمّات الإرهابيّة. وماذا عن الدور الذي أوكلته الحكومة الأميركيّة في عهد أوباما لدولة الإمارات لتولّي أمر محاربة الإرهاب على وسائل التواصل الاجتماعي؟ ما الفارق بين الجهد السعودي والإماراتي؟ ومَن يقرّر إذا كان الجهد الخليجي ناجح أم لا، خصوصاً وأن الكلام الأميركي الرسمي في السرّ عن دور دول الخليج في تدعيم المنظمات الإرهابيّة يتناقض مع الكلام الرسمي العلني؟

الأهم، مهما طالت السنين، أن دول الغرب ستكتشف عاجلاً أم آجلاً أن محاربة التطرّف لا يمكن أن تتحقّق من خلال التعاون مع الأنظمة التي ترعى تلك العقائد والأيديولوجيّات الدينيّة المتطرّفة، ومن دون وقف الحروب والغزوات الغربيّة التي لم تتوقّف منذ الحرب العالميّة الثانية. وترامب الذي جاهر بعدائه للإسلام والمسلمين، اكتشف أنه يتعاطف مع الانشقاق الوهابي في الإسلام. أي أن الوهابية عند ترامب وصحبه هي التيّار المعتدل الوحيد في صف الإسلام والمسلمين. وعليه، فإن على أحفاد محمد بن عبد الوهاب، نشر الاعتدال والتسامح والنسويّة والعلمانيّة في العالم الإسلامي.

لكن دول الخليج تعوّل كثيراً على ترامب. والتعويل على الرئيس الأميركي ليس بجديد. هناك تاريخ طويل من التهليل السعودي للإدارة الأميركيّة الجديدة – لأي إدارة جديدة. ومراجعة التاريخ المعاصر من العلاقات الأميركيّة ــ السعوديّة تظهر أن هناك نمطاً سياقياً في موقف النظام السعودي من أي إدارة أميركيّة: هي تبدأ بالحماسة الكبيرة، وتنتهي دوماً بالخيبة الكبيرة. كان النظام السعودي شديد التأييد لسياسة ريغان، وتشاركا في مكافحة الشيوعيّة حول العالم، لكن النظام السعودي خاب أمله من إمكانيّة قيام إدارة ريغان بشن حرب على إيران لتغيير نظامها. وحتى نظام جورج دبليو بوش: كان الحكم السعودي شديد التأييد لسياسات بوش في البداية، لكنه انزعج من ردّة الفعل الأميركيّة على ١١ أيلول. والسعوديّة ساهمت سرّاً في دعم الغزو الأميركي للعراق، ثم عارضت فيما بعد الاحتلال الأميركي بسبب تنامي النفوذ الإيراني في العراق وانتشار المنظمّات الإرهابيّة في المنطقة (والتي ساهمت هي في إنشائها ورعايتها وتوليدها عبر التاريخ). وفي أوّل إدارة أوباما، كان النظام السعودي يقول إن الرئيس الجديد سيصوّب ما ارتكبه بوش من أخطاء، لكن خيبة النظام كانت كبيرة بعد توقيع الاتفاق النووي. وعليه، يمكن توقّع خيبة سعوديّة قد تأتي في وقت مبكّر.

ومن المرّجح أن تُسجَّل الخيبة السعوديّة من إدارة ترامب مبكّراً. فهي تتوقّع منه الكثير، وتتطلّب منه الكثير. هي تريد منه (مقابل إعلانات الشراء والاستثمار بالمليارات) أن يشنّ حروباً بلا هوادة في اليمن وسوريا ولبنان بالنيابة عن مصالحها. لكن هناك ضوابط ستقيّد حركة ترامب الخارجيّة. فالرجل واقع في مشاكل سياسيّة ودستوريّة وقانونيّة لم يسبق أن واجهها رئيس في هذه الفترة المبكّرة من عهده: وهو منبوذ في بلاده وفي دول العالم، ومُكرَّم فقط في دول الخليج. كما أن جهله بالعمل السياسي والعلاقات بين المؤسّسات أضعف من قدرته على معالجة هذه المشاكل. وخطيئته الكبرى أنه أشعل خلافاً عميقاً مع أجهزة المخابرات: وهي دولة عملاقة ضمن الدولة الأميركيّة. إن حملات الصحف الأميركيّة ضد ترامب تُحرَّك من أجهزة المخابرات. وإقصاء مدير مكتب التحقيقات الفدرالي سيضمن أن ينضم المكتب إلى معسكر أعدائه، مما سيزيد من التسريبات المضرّة له. ترامب سيكون غارِقاً في مشاكله الداخليّة ومنصرفاً عن هموم مستهلكي السلاح في الخليج.

وسياسات ترامب الخارجيّة وحروبه لن تكون على نسق نشر القوّات. لقد شهد ترامب حدود التأثير الأميركي حتى في ظل نشر هائل للقوّات كما في العراق وأفغانستان. وتركيزه على تحقيق وعود السياسة الخارجيّة ستمنعه من الانخراط في حروب ومغامرات محمد بن سلمان. وهنا ستتمثّل الخيبة الكبرى. لن تشن أميركا حرباً على إيران أو اليمن أو لبنان، من أجل تحقيق «رؤية» ابن سلمان. سيكتشف الأخير أن  مشاريعه الحربيّة ستكون من نصيبه وحده، بالاشتراك مع شريكه الإماراتي (مع الاستعانة بمرتزقة من دول إسلاميّة كما هو الحال في «عاصفة الحزم»). هذا لا يعني أن أميركا لن تزوّده بالسلاح وأنها لن تدعم حروبه بالمعلومات الاستخباراتيّة والخطب الحماسيّة. والخيبة المتوقّعة هذه ستزيد من اعتماد الحلف السعودي ـ الإماراتي على دولة العدوّ الإسرائيلي. وتبيّن لترامب خلال زيارته مدى التعاون بين دول الخليج وبين دولة العدوّ. وسرّبت الحكومة الأميركيّة قبل أيّام في «نيويورك تايمز» أن دول الخليج «تحت الرادار» تشتري سرّاً تكنولوجيا زراعيّة وطبيّة وأمنيّة من دولة العدوّ عبر عقود تجاريّة من خلال طرف ثالث لحجب هويّة المصدر.

والتحالف بين دول الخليج ودولة العدوّ سيثبتُ أنه قد يكون أثمن لهم من تحالفهم مع أميركا.
كلّما كبرت التوقّعات والطموحات كلّما كبرت الخيبات. ودول الخليج ستكتشف أنها عوّلت على رئيس قد يكون ـ إن لم يكن اليوم ــ أضعف رئيس لأميركا بحكم المصاعب الداخليّة التي يواجهها. وترامب يعلم أن نشر القوّات الأميركيّة لصالح دول الخليج سيؤثّر على الاقتصاد الذي يرعاه بعناية فائقة (ليس لديه ما يقدّمه للشعب الأميركي إلا وعود البحبوحة والازدهار). لكن مثلما حدث مع إدارة أوباما، ستتذمّر دول الخليج لكن ليس لديها خيار آخر. وهي مهما تتقرّب من دولة العدوّ فإن الأخيرة تولّي تحالفها مع أميركا على أي تحالف آخر — حتى في ظل رئاسة أوباما نفسه.

لكن يمكن لمحمد بن سلمان أن يدعو نتنياهو إلى الرياض ـ والأخير مستعد للزيارة ــ من أجل لمس «البلّورة المُضاءة»، وربما المشاركة في مراسم غسيل الكعبة.


   ( الاثنين 2017/05/29 SyriaNow)
Related Videos

Related Articles 

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Friday, 2 December 2016

Human Rights Watch Purposefully Mistranslates a Leaflet to Aleppo Rebels from Syrian Government

Global Research, December 01, 2016
The Angry Arab News Service 30 November 2016

CycXFO2XAAIUy8B
Rami Jarrah (who is widely cited as an authority by mainstream Western media) posted the Arabic leaflet dropped by Syrian government forces and the English translation by Human Rights Watch, which has been widely circulated.
I will provide to you my translation of the original Arabic and you judge how reliable the translation by Human Rights Watch is. [Moreover they have shortened the text of the message]
The Arabic says (in full):
“Read and Repeat.  This is the last hope.  Save yourselves.
If you don’t evacuate those areas soon, you shall be finished off (or vanquished or destroyed).
WE have provided you with a safe passage to exit.  Take your decision fast. Save yourselves.
You know that all have abandoned you and left you by yourselves to face your destiny and they won’t provide you with any help.  General Command of the army and armed forces.”
PS The word annihilation is very specific and has an equal Arabic equivalent “Ibadah” which does not appear in the original Arabic.

[The substance of the message is turned upside down in the English translation. It does not mention that the government is providing exit and safe passage to the Al Qaeda rebels.]

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!