Showing posts with label Lebanon Corrupt Banking System. Show all posts
Showing posts with label Lebanon Corrupt Banking System. Show all posts

Friday, 26 November 2021

من تدخل السياسة في القضاء إلى تدخل القضاء في السياسة

 

ناصر قنديل

في بداية التسعينات طرح بعض السياسيين سؤالاً عنوانه، هل أن أولوية الملف الأمني المتمثل بسحب الأسلحة وحل الميليشيات وإعادة توحيد الجيش، سيفتح الشهية الدولية نحو اعتبار الجيش حصان الرهان السياسي الأول، بحيث ننام ونصحو على تعاظم دور المؤسسة العسكرية، ونستعيد صورة الرؤساء الذين يلبسون البزة العسكرية، وعلى رغم تجاهل الكثير من السياسيين لهذه المعادلة، تقول وقائع ثلاثة عقود لما بعد اتفاق الطائف إن العسكر تصدروا الواجهة السياسية، فما كادت مفاعيل توحيد الجيش وحل الميليشيات تكتمل، حتى صار الرئيس المدني الياس الهراوي آخر الرؤساء الآتين من المجتمع السياسي، وصار الذين تناوبوا قبل الطائف وبعده على منصب قائد الجيش يدخلون إلى قصر بعبدا كرؤساء للجمهورية، ويبدو اليوم  أن الأميركيين الذي يعاقبون لبنان بعقوبات جماعية يؤكدون بما لا يقبل التأويل عزمهم على مواصلة الاستثمار على علاقتهم بالجيش، لكنهم يضعون لهذا الاستثمار سقفاً أمنياً لا سياسياً، ويتراجع السقف السياسي الذي كانت عليه الحال في السابق، فالعنوان السياسي الرئيسي في زمن المواجهة الأميركية مع المقاومة لا يتخذ عنوان الرهان على المواجهة العسكرية والأمنية، فالأميركي يسلم، كما قال الكثير من المسؤولين الأميركيين صراحة، بأن تعريض الجيش لمخاطر الزج به في مواجهة مع المقاومة، يفوق قدرة الجيش وقابليته للاستجابة، والحفاظ على تماسكه.

في السياسة طور الأميركيون مقاربتهم منذ 17 تشرين الأول 2019، واعتبروا أن عنوان مكافحة الفساد هو الأنسب لتقدم الأجندة الأميركية في مواجهة المقاومة، على رغم القناعة الأميركية بلا جدوى تجاوز اتهام المقاومة بالفساد من الشعار إلى التفاصيل بتقديم أي واقعة مكتملة تؤكد هذا الاتهام، بينما يمكن، كما أكد كثير من المسؤولين الأميركيين إلحاق الأذى بحلفاء المقاومة تحت هذا العنوان، ولو اقتضى الأمر إصابة عدد من حلفاء واشنطن، الذين أظهروا  بنظر واشنطن تخاذلاً في خوض المواجهة مع المقاومة بداعي الحرص على السلم الأهلي، وخرجت دراسات وتحليلات تتحدث عن تجديد الطبقة السياسية، بإنشاء مئات وآلاف منظمات المجتمع المدني في مناخ 17 تشرين والدفع بها إلى الواجهة السياسية، وجاءت العقوبات الأميركية على سياسيين ورجال أعمال لبنانيين تؤكد هذا المنحى، لكن دفع المعركة تحت عنوان الفساد لتجديد الطبقة السياسية، وبطريقة مستهدفة لحلفاء المقاومة وتقليص حضورهم السياسي، تستدعي إنهاض صف أمامي وخلفي في المستوى القضائي، يعيد إلى الواجهة السؤال الذي طرح في التسعينات بطريقة جديدة، هل نحن أمام زمن فتح الشهية الأميركية ومحاكاة الشهيات المحلية، وعلى أعتاب الاستحقاق الرئاسي، لنشهد مرشحين رئاسيين من القضاة، لكن بدلاً من شعار الجيش هو الحل، يتقدم شعار القضاء هو الحل؟

يريد البعض منا أن نصدق أن الفرصة التي وفرها انفجار مرفأ بيروت لتظهير الدور القضائي في مواجهة السياسيين تعبيراً عن انتفاضة الجسم القضائي على التدخلات السياسية، وتمسكاً باستقلال القضاء، الذي كان متهماً بالتقصير والاستنساب والتبعية الطائفية والسياسية، فهل حدث بين ليلة وضحاها أن نزل الوحي وتغيرت الصورة، وما يقوله حجم التصعيد القضائي تحت عنوان التضامن بين القضاة في كل تفاصيل قضية التحقيق في انفجار المرفأ، والمجازفة بمخاطر رفضت قيادة الجيش تحمل مثلها، جسدها ما ظهر من علامات الانقسام الطائفي في المجتمع وصولاً إلى الجسم القضائي نفسه، إن التذرع السابق بالضغوط التي يمارسها السياسيون كان استساغة يسلس عبرها القضاة النفس للمطالب السياسية طلباً للنفوذ والسلطة، ويعيدون فعلها اليوم بالتمرد على السياسة طلباً للتدخل فيها من باب أوسع، تتيحه النظرة الخارجية التي تدعو القضاء لملء الفراغ الناجم عن تراجع الجيش إلى الخلف، فيتقدم قضاة ليقولوا القضاء هو الحل، أي الرئاسة لقاض بدلاً من جنرال، ولا يمانعون من تدخل القضاة في السياسة تعويضاً عن زمن تدخل السياسة في القضاء.

يريد البعض القول إن هذا تحول إصلاحي ثوري يستحق التشجيع بمعزل عن المقدمات والظروف، التي يمكن وضعها في حسن التقاط اللحظة المناسبة لهذا الانقلاب، فلماذا التشكيك طالما أن هناك إجماعاً على أولوية مكافحة الفساد، وأن اللبنانيين ضاقوا ذرعاً بالسياسيين وعبروا عن ذلك في انتفاضة الغضب في 17 تشرين، ويردون السؤال بالقول، ولماذا تضع المقاومة نفسها كخط دفاع أمامي عن الطبقة السياسية سواء في مرحلة 17 تشرين، أو في مرحلة الملاحقات القضائية، والجواب بسيط، لكن بسؤال أيضاً، وهو لماذا يحجم القضاء عن فتح ملفات المصارف ومصرف لبنان، طالما جوهر النظام الفاسد يجد قلعته الحصينة في نظام الريع الذي يرعاه مصرف لبنان وتمثل المصارف قوته الضاربة، وطالما أن الثورة على الفساد وإثبات الأهلية لقيادة العمل الإصلاحي تبدآن من هنا، ومن دون هذا الشرط يصير المشهد واضحاً، إعادة تعويم النظام الريعي التابع والمستتبع برموز جديدة أشد طواعية واستعداداً للمجازفة بتعريض السلم الأهلي للخطر، وأكثر عدائية للمقاومة، وأشد طائفية، من القيادات الطائفية، مقابل الوصول للسلطة، فهل هذا إصلاح أم خراب؟


فيديوات متعلقة


مقالات متعلقة


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Monday, 23 August 2021

النفط الإيراني… شريان للحياة

 السبت 21 آب 2021

حسن عليق


النفط الإيراني... شريان للحياة
(مروان بو حيدر)

«بكرا بيتعوّدوا»، العبارة المنسوبة إلى رياض سلامة تعليقاً على تعامل اللبنانيين مع انهيار قيمة الليرة، باتت دستور أكثرية قوى السلطة. منذ سنتين، عاش لبنان ثلاث صدمات اقتصادية كبرى، يجري التعامل معها كما لو أنها لم تكن: صدمة إفلاس القطاع المصرفي المكابر على إعلان إفلاسه وانهيار الليرة، وصدمة رفع الدعم، وصدمة انقطاع الطاقة الكهربائية والمحروقات معاً.

كل واحدة من هذه الصدمات كفيلة، وحدها، بهدم اقتصاد ولو كان قوياً، وبتدمير قدرات السكان المعيشية. الانهيار لا يُمكن أن يستمر، ولو في أفشل دول العالم، من دون خطة إنقاذ، لوقف الانهيار وعكس المسار نحو العودة إلى «الحياة الطبيعية». رفع الدعم لا يمكن أن يتم، ولو في أكثر الرأسماليات توحشاً، من دون شبكة أمان اجتماعي. حتى البنك وصندوق النقد الدوليّان، وسواهما من مؤسسات نظام سيادة رأس المال في العالم، يوصيان بأن يكون قرار إلغاء الدعم عن السلع الأساسية متزامناً مع برامج حماية اجتماعية، للطبقات الأكثر ضعفاً. وأكثر ما ينبغي الامتناع عنه، هو رفع الدعم فجأة عن الغذاء والدواء والاستشفاء والمحروقات والطاقة. صدمات متتالية أصابت سكان لبنان، مترافقة مع جائحة كورونا العالمية، وانفجار المرفأ، وأزمة سياسية مستمرة منذ ما قبل انسحاب الجيش السوري أنتجت عدم انتظام في المؤسسات الدستورية (فراغ حكومي، فراغ رئاسي وتمديد نيابي…) استهلك أكثر من نصف الأعوام الـ 16 الماضية.

صدمات متتالية، أتت بعد إجراءات حصارية نفّذتها الولايات المتحدة الأميركية، بدأت عام 2011 بقرار إعدام البنك اللبناني الكندي (وهو العام الذي بدأ فيه ميزان المدفوعات اللبناني يشهد عجزاً استمر حتى اليوم)، ثم إجراءات حصار سوريا تزامناً مع اندلاع الحرب فيها، وقرارات العقوبات بحق شركات وأفراد لبنانيين، وصولاً إلى إعدام بنك الجمال صيف عام 2019 (صاعق الانهيار) وإقفال المصارف بعد 17 تشرين الأول 2019 (قرار اتخذته جمعية المصارف أثناء وجودها مع سلامة في واشنطن). طوال تلك الفترة، كانت البنوك تكنز الودائع في مصرف لبنان الذي اتخذ حاكمه كل الإجراءات الممكنة من أجل خنق الاقتصاد، وتوّجها، بغطاء من أكثرية سياسية عابرة للانقسام التقليدي، بقرار رفع الدعم عن المحروقات. وسبق ذلك القرار قانونٌ أصدره مجلس النواب في نيسان 2021 منح فيه سلفة خزينة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 300 مليار ليرة. هذا القانون يمكن تسميته بقانون العتمة. فالمؤسسة كانت تطلب 1500 مليار ليرة لتأمين ثمن الوقود الكافي لتوليد الطاقة الكهربائية وصيانة معامل الإنتاج حتى نهاية العام الجاري. لكنّ عدداً من الكتل النيابية (القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل وحركة أمل) ضغطت لخفض قيمة السلفة حتى 300 مليار ليرة، تحت طائلة عدم إصدار القانون. وشنّ ممثلون عن هذه الكتل عملية تضليل شنيعة للسكان، متعمّدين الكذب عبر القول إن خفض قيمة السلفة هدفه الحفاظ على أموال المودعين التي لم تحرّك هذه الكتل ساكناً لحمايتها، لا قبل الانهيار استباقاً، ولا بعده حفاظاً على ما تبقى منها. ببساطة، صدر قانون العتمة، عبر حجب الأموال عن مؤسسة كهرباء لبنان. ثم غطّت هذه الكتل، وغيرها، قرار سلامة رفع الدعم عن المحروقات. هذه الكتل تنقسم إلى قسمين. القوات والاشتراكي والمستقبل فعلوا ما فعلوه امتثالاً لأوامر أميركية بإيصال البلاد إلى الدرَك الأسفل من الانهيار. أما كتلة حركة أمل، ففعلته نكاية بالتيار الوطني الحر. وفي خلفية قانون العتمة وقرار رفع الدعم، انحياز كلي لأصحاب الثروات والمصارف.

ما جرى كان تأثيره كارثياً. لم يسبق أن اتخذت دولة، عن وعي كامل، قراراً بتدمير اقتصادها بالصورة التي فعلتها السلطة اللبنانية. ما يشهده لبنان حالياً من انقطاع للطاقة الكهربائية والمحروقات لا يمكن أن تشهده أي دولة من دون حرب مدمّرة. فالطاقة هي العمود الفقري للحياة في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد. ونتائج وقف إنتاج الكهرباء وقطع المحروقات لا تعيد سكان لبنان إلى المستوى الذي كانوا يعيشون فيه بعد الحرب الأهلية مباشرة، بل تُرجعهم إلى زمن ما قبل إنشاء سكة الحديد وإقامة أول معامل إنتاج الكهرباء زمن السلطة العثمانية. والدولة التي فُرِض عليها هذا الواقع، بقرار خارجي وداخلي، هي دولة يقول حاكم مصرفها المركزي إن بين يديه 14 مليار دولار «نقداً»، و17 مليار دولار ذهباً.

مجلس النواب، بوصفه المؤسسة الدستورية الأمّ، كان ينبغي أن يكون الحصن الأخير دفاعاً عن حقوق أبناء «الأمة» ومصالحهم. كان يُنتظر منه إصدار قوانين تُجبر مصرف لبنان على استمرار الدعم إلى حين إقامة شبكة أمان اجتماعي، وعلى ضمان استمرار إنتاج الكهرباء بالطاقة القصوى، وعلى تمويل إقامة معامل إنتاج جديدة تكفي لتغطية كامل حاجة البلاد. كان يُنتظر منه أن يكون على قدر المسؤولية، لإخراج البلاد من صدمة الانهيار.

جلسة مجلس النواب، أمس، يمكن اعتبارها خاتمة الاستقالة من بذل أيّ جُهد إنقاذي. هذا الواقع الداخلي، متشابكاً مع الحصار الخارجي، لا يواجَه بقرارات تقليدية. البلاد تعيش حالة انهيار تام يُعبَّر عنها بانقطاع التيار الكهربائي، وفقدان المحروقات. موازين القوى في المؤسسات الدستورية موزعة بين شريك لدول الحصار (سياسياً ومالياً)، ومستقيل من مسؤوليته وعاجز عن التغيير من الداخل

ومشتغل بالنكاية. والواقع أشبه ما يكون بحالة حرب غير معلنة. وإزاءه، لا بد من حلول غير تقليدية، على رأسها تأمين مصادر الطاقة، في وجه الاحتكار والحصار، والتفافاً على العجز التام للمؤسسات. إجراءات طوارئ هدفها إنعاش المريض والحؤول دون وفاته. هنا تحديداً تكمن أهمية استيراد النفط من إيران. إنه ليس حلاً للأزمة في لبنان، لكنه بالتأكيد شريانٌ للحياة، في وجه قوى الموت الداخلية والخارجية.


فيديوات متعلقة


مقالات متعلقة


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Sunday, 15 August 2021

Lebanese Bank Governor’s Reckless Step: A Move towards the Total Collapse

 August 14 2021

Lebanese Bank Governor’s Reckless Step: A Move towards the Total Collapse

By Mohammad Yousef

Central Bank Governor Riad Salameh’s decision to lift subsidies off fuel imports pushed the whole country further into a very dangerous position.

The decision represents an illegal, reckless and irresponsible step as the people suffers from host of shortages in basics with skyrocketing prices and devaluation of the Lebanese currency.

The fuel is probably the most important vital commodity. It affects people’s life greatly as it covers many vital areas of every day’s life like hospitals, bakeries, universities, schools, water and electricity supplies and many others.

This brought the whole country into a total paralysis and will bring it closer to the verge of collapse unless the concerned parties take the necessary measures to stop this or alleviate its impact on people’s life.

Lay people and officials know that subsidies will not continue forever especially under the deteriorating situation in all levels, but such a decision cannot be taken the way Salameh did. He removed the government support onetime and without considering that the necessary precautionary measures have been put into implementation. Many parties have suggested that every poor family receives a certain limited amount of supported fuel, for example, 80 liters per month. Moreover, the long awaited for financial support card has not been yet put into effect.

Such necessary measures would have eased the exacerbating crisis and rendered the step possible to swallow by people. However, the governor has chosen to lift the fuel subsidies abruptly and without any prior notice. This has all happened at a time when vice Prime Minister Zeina Akar announced that this was not going to take place.

The governor’s decision says a lot and gives very alarming indications about the way the country is run at this stage.

First, the step reflects the total detachment of the ruling class from the people and their sufferings.

Second, it gives an alarm that the ruling oligarchy decided that the correction of the current crisis is being put on the burden of the doomed and most impoverished people.

Third, it assures that the governor acts at his utmost liberty without waiting for any legal or political coverage.

What does all this tell?

It simply announces that we are hastily heading towards the great crash or the collapse of the state. Many scenes of the Venezuelan scenario are already here.

People are endlessly queuing for many vital daily needs like gasoline, cooking gas, medications, and recently children milk and bread. The whole country is in total chaos and the people are disoriented about what happened and about what to do, or where to go to find a solution or at least an alleviation of their suffering.

The international community and the powerful countries like the US , France, Britain and their allies in the Arab world are watching but not taking concrete tangible steps to help though they know it is within their reach, why?  Because they are investing in our misery, and this is not a conspiracy theory that aims at directing the blame on Washington and its allies. We know that country’s corruption is the number one culprit, but they knew it and accepted it and continued to deal normally with it and now they want to strip Lebanon from its last point of strength represented by its triumphant resistance to dictate their conditions in politics and economy and to gain with their mounting blockade and economic pressure what they failed to do with their military campaigns. They need to know they are pining hopes over illusion. This cannot and will not be.

Now, as the endeavors and efforts to form a government have reached a very advanced stage, probably in the near coming days, hopes are rising that this mandatory step would usher in a significant effort to start a robust and wise rescue planned effort and represents the first step in the one thousand mile trip to put things back on track.


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Friday, 16 July 2021

الترابط بين الأزمة والتبعية لواشنطن وخطتها الانقلابية بعد فشلها في استغلال الاحتجاجات الشعبية..

 14/07/2021

حسن حردان

أكدت التطورات الأخيرة جملة من الحقائق التي يجب ان يعيها اللبنانيون ويدركوا من خلالها مَن هو المسؤول عن أزماتهم المتفاقمة ومنع الحلول لها مما أدى الى لإذلالهم في البحث عن الدواء والوقوف في طوابير على محطات البنزين، وتدهور قدرتهم الشرائية على نحو غير مسبوق مما أدّى إلى سحق الفقراء وانضمام الطبقة الوسطى إلى صفوف الفقراء حتى يمكن القول إننا بتنا في مجتمع مكوّن من طبقتين، طبقة الأربعة في المئة من الأثرياء، وطبقة الفقراء الذين باتوا يشكلون الغالبية العظمى من الشعب…

فما هي هذه الحقائق:

الحقيقية الأولى، انّ الرئيس الحريري، ومنذ بداية انفجار الازمة، لم يقدم على أيّ خطوة من تلقاء نفسه وبإرادته، بل كانت قراراته استجابة للتوجيهات الأميركية وخضوعاً لها، وسعياً لنيل رضا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، رغم انّ الأخير اعتقله في الرياض وأهانه، ومع ذلك فإنّ الرئيس الحريري لا يزال يسعى إلى كسب ودّ ابن سلمان ودعمه، ويوسّط الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والسفيرتين الأميركية والفرنسية، ولهذا بات الرئيس الحريري في وضع لا يُحسد عليه، يبحث عن مخرج بعد أن أبقى البلاد نحو عشرة أشهر رهينة مأزقه، من دون أن يشكل حكومة، أو يعتذر، رامياً بالمسؤولية على رئيس الجمهورية للتغطية على عجزه وارتهانه…!

الحقيقة الثانية، انّ هذا الخضوع والارتهان من قبل الرئيس الحريري لكلّ من واشنطن والرياض، إنما كان ولا يزال يندرج في سياق تنفيذ مخطط أميركي استهدف شلّ الحكم في لبنان، ومنع الخروج من أزمته، والعمل على خنق لبنان اقتصادياً ومفاقمة أزماته النقدية والاجتماعية والمعيشية من ضمن خطة تشترك فيها بعض القوى السياسية، والمؤسسات المالية وفي المقدمة حاكم مصرف لبنان، وكبار المصارف، والشركات الاحتكارية، للأدوية ومشتقات النفط، التابعة لواشنطن والمرتبطة مصلحياً بالرأسماليات الغربية الاستعمارية.. إنْ كان عبر الدعم المالي الذي تحظى به هذه القوى السياسية، أو عبر الوكالات الحصرية التي تتحكم بحياة اللبنانيين.. خطة جعلت اللبنانيين يغرقون في أزماتهم الحياتية ليتمّ تحريضهم ضدّ مقاومتهم وحلفائها وفي الطليعة عهد الرئيس ميشال عون، والتيار الوطني الحر… لإضعاف التأييد الشعبي والسياسي للمقاومة، التي باتت منذ انتصاراتها عام 2000، وعام 2006، تشكل مصدر القلق الأساسي للعواصم الغربية، لأنّ المقاومة أصبحت تهدّد أمن ووجود الكيان الصهيوني، المرتكز الاستعماري الغربي الذي زرعه في قلب الوطن العربي لمنعه من التوحّد والتحرّر واستغلال ثرواته، وبالتالي ضمان استمرار نهب الشركات الغربية للثروات العربية وفي مقدمها النفط.. فحماية أمن ووجود هذا الكيان الصهيوني أصبح هو الهاجس الذي يحرك الحكومات الغربية، التي تضع لبنان في رأس سلّم أولوياتها، لكون مقاومته نجحت في هزيمة “إسرائيل” وردع عدوانيتها ومنعها من تحقيق أطماعها في لبنان… لا سيما في مياه لبنان الإقليمية الخالصة التي اكتشفت فيها ثروة غازية هامة تمكن لبنان، في حال أحسن استغلالها من معالجة أزماته وتعزيز اقتصاده وقوّته المستندة إلى معادلة قوة لبنان المتمثلة بـ “الجيش والشعب والمقاومة”.

الحقيقة الثالثة، انّ لبنان لا يمكن له أن يخرج من أزماته الاقتصادية والمالية، ويحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ما لم يتحرّر من التبعية السياسية والاقتصادية للدول الغربية الاستعمارية، ويبني سياساته انطلاقاً من مصالحه.. التي تمكّنه من بناء اقتصاد إنتاجي غير ريعي، اقتصاد يحقق نمواً فعلياً وينتج الثروة، ويستغلّ ويوظف ثروات لبنان في خدمته، كما يستفيد من كلّ المشاريع والمساعدات المعروضة عليه من دون شروط لحلّ أزماته الخدماتية المزمنة حلاً جذرياً، لا سيما المشاريع والمساعدات التي عرضت من إيران والصين وروسيا، إلى جانب الاتجاه نحو تحقيق التكتل المشرقي مع سورية والعراق وإيران الذي يحقق التكامل الاقتصادي، وربط شبكات النفط والغاز والكهرباء وسكك الحديد، ويجعل من لبنان محطة هامة في مشروع طريق الحرير…

الحقيقة الرابعة، انّ استكمال معركة تحرير الأرض، وحماية لبنان وثرواته من العدوانية والأطماع الصهيونية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتمسك بالمقاومة وسلاحها الرادع، والمعادلة الذهبية، الجيش والشعب والمقاومة، وبخوض معركة التحرّر الاجتماعي من السياسات الريعية النيوليبرالية التي أدّت إلى زيادة حدة التفاوت الاجتماعي، وزيادة أعداد الفقراء، وتمركز الثروة بيد قلة قليلة من الأثرياء والشركات الاحتكارية والمالية.. وهذه المعركة الاجتماعية غير منفصلة عن معركة التحرّر من الوصاية والهيمنة الأميركية الغربية التي تستند من النظام الطائفي الذي زرع بذرته الاستعمار لضمان عدم استقرار لبنان واستمرار تدخلاته في شؤونه الداخلية.. كما يفعل حالياً..

في خلاصة الكلام، إذا أجاب الرئيس عون اليوم بالموافقة على تشكيلة الحكومة التي قدّمها له الرئيس الحريري، فهذا يعني انّ الرئيس المكلف حصل على موافقة ودعم إقليمي ودولي لتشكيل حكومته الجديدة، دعم يمكنه من تحقيق انفراجات تخفف من الأزمات التي يعاني منها لبنان بهدف تعزيز الوضع الشعبي للرئيس الحريري وتحالفاته عشية الانتخابات النيابية، بحيث يتمكن تيار المستقبل وحلفاؤه من قوى 14 آذار من حصد الأغلبية النيابية وإعادة تشكيل السلطة بما يحقق الأهداف الأميركية…

أما إذا رفض الرئيس عون التشكيلة باعتبارها لا تنسجم مع التوافقات التي تمّ التوصل إليها، وتعكس إصرار الرئيس الحريري على فرض حكومة اختصاصيين من خارج أيّ تفاهم مع الرئيس عون والقوى السياسية الأساسية المكوّنة للبرلمان، فإنّ الرئيس الحريري يكون قد تعمّد ذلك لتبرير إقدامه على سلوك خيار الاعتذار… الأمر الذي يعني انّ الأزمات سوف تستمرّ بهدف زيادة حدة الضائقة المعيشية للمواطنين إلى أن نصبح على مقربة من موعد إجراء الانتخابات، ليجري تحميل المسؤولية عن الأزمة إلى الرئيس عون وتياره الوطني وحزب الله في محاولة للنيل من شعبيتهما والحصول على الأغلبية النيابية من قبل القوى التابعة للولايات المتحدة وبالتالي تنفيذ الأجندة الأميركية سياسياً واقتصادياً لمحاولة محاصرة المقاومة..

في الحالتين، فإنّ تحالف حزب الله والقوى الوطنية والتيار الوطني، مطالب بوضع خطة مواجهة لإحباط هذه الخطة الأميركية الانقلابية عبر الانتخابات بعد أن فشلت بواسطة ركوب موجة الاحتجاجات الشعبية في الشارع…


فيديوات متعلقة


مقالات متعلقة


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Thursday, 17 June 2021

نقاش لنيّات إصلاحيّة مكبوتة أحبطها الحليف: هل يمكن جمع التموضع الطائفيّ مع الإصلاح؟


 ناصر قنديل

يُصرّ بعض قادة ورموز عدد من التيارات السياسيّة على تأكيد تطلعاتهم الإصلاحية، ويدافع عنهم مريدون بحماسة واقتناع، ويستحضرون هذا الإصرار في محاكمة الأزمة الراهنة التي يمر بها لبنان، لتيبرأوا من الشراكة بالمسؤوليّة عن هذه الأزمة وامتلاك حق حصريّ بالتصرّف في توزيع نصاب المسؤوليّة على خصومهم وحلفائهم.

الأمر الذي يفوت هؤلاء أن السرقات الشخصية المصنفة تحت عنوان الفساد ودورها في الأزمة الراهنة ليست إلا نتيجة للأسباب الحقيقيّة للانهيار، ولا يمكن لكل الحديث عن أرقام وتقارير تتناول الثروات الشخصيّة لقادة او لتهريبهم أموالهم إلا ان تؤكد هذا الاستنتاج. فالجوهر هو نظام سياسي مالي قام على معادلة، استدانة بلا برامج وأولويات بهدف اجتذاب الدولارات لحماية سعر الصرف، وبالتوازي الإنفاق عبر مؤسسات الدولة على توظيف بلا قواعد وتلزيم المشاريع بلا رقابة، وكل القوى الكبرى التي تمثل طوائفها في الحكم بلا استثناء كانت شريكاً في هذه الثنائية، طالما انها كانت شريكاً بتمثيل طائفتها في مواقع السلطة، فلم تضع الفيتو على الاستدانة واستعمال عائداتها في حماية سعر الصرف، وترك اللبنانيين ينفقون أضعاف ما تمثله مداخيلهم الحقيقيّة، لرشوتهم سياسياً وانتخابياً، وطالما أنه لم يستعمل الفيتو لمنع إنفاق الديون على الدولة ومؤسساتها توظيفاً وتلزيمات، وارتضى ان يكون شريكاً يستخدم الفيتو لنيل حصص ومنع حصص على غيره في التوظيف وفي التلزيمات، ولو أقسم اليمين صادقاً أنه ليس بين قيادييه أي سارق او مرتشٍ.

هل بين القوى الكبرى من لم يستعمل الفيتو او يدّعي أنه لا يملكه، فكيف يفسر لنا إذن كيف استطاع فرض حصوله على مواقع سيادية في الدولة رئاسية ووزارية يعرف اللبنانيون أن الجميع فرض حضوره فيها بقوة الفيتو الطائفي، الذي لم يُستعمل ولا مرة، ولا مرة، لوقف السياسات المالية، ولا سياسات التوظيف والتلزيمات الانتخابية الهادفة لإعادة إنتاج النظام بالطريقة ذاتها التي يستخدمها الجميع مهما تحدث بعضهم عن تمايزه في الاختيارات الفردية لمرشحيه في التوظيف او لنظافة تعامله في التلزيمات، لأن هذا الجانب على أهميته لن يمنع وقوع الانهيار ولو تساوى فيه الجميع. فالانهيار نتاج انفجار بالون اللعبة الجهنمية، ديون بلا قدرة سداد تنفق على حماية سعر الصرف لرشوة الناس بمستوى معيشة وهميّ، ولإنفاق لا يخضع لحساب أولويّات صحيح في التوظيف والتلزيمات، وأين كان الفيتو الجاهز للاستعمال في فرض حصة رئاسية او وزارية وتعطيل البلد لشهور وسنوات طلباً له، والجاهز للاستعمال لرفض وفرض توظيفات بحساب طائفيّ أو حزبيّ في الطائفة، ولفرض حصص من التلزيمات تحت عنوان الإنماء المتوازن، وهو يعلم أن الإنماء خطة غير موجودة وليس موجوداً منها إلا حصصٌ انتخابية؟

إذا كان هناك فريق بين الكبار نأى بنفسه عن المحاصصة فهو حزب الله، ورغم ذلك فهو يتواضع في الأستذة الإصلاحيّة على الآخرين ويقول كلنا مسؤولون، لكن بنسب الشراكة في رسم السياسات، لكنه شريك بعدم استعمال الفيتو الذي أشهره لفرض وصول العماد ميشال عون للرئاسة، وقبلها لفرض حصّة التيار الوطني الحر الوزاريّة، أكثر مما استعمله لحصة طائفته، لكنه لم يستعمل هذا الفيتو بوجه السياسات الماليّة والإنفاقيّة والنقديّة. وهذه شراكة بالمسؤولية.

الأرقام في لبنان وجهة نظر، فعندما يُحكى عن رقم 40 مليار دولار كلفة الكهرباء دون أن تحل أزمتها، ولا يقال إن الدولة تدفع كل سنة ملياري دولار لشراء الفيول، اي 40 مليار بعشرين سنة، لان أحداً لا يريد ان يعترف ان السبب، هو أن لا أحد، لا أحد بالمطلق، يريد تحمّل مسؤولية رفع التعرفة وتحسين الجباية لتصبح الكهرباء ذات جدوى اقتصادية، والاعتبار انتخابي تشارك فيه الجميع. وفي هذا يُظلم التيار الوطني الحر بتحميله وحده المسؤولية، لكن بالمقابل فإن التيار عندما يتحدّث عن فشل تحالفه مع حزب الله لأن الحزب وضع حساب وحدة الطائفة فوق السير بالإصلاح، يفعل الشيء نفسه الذي يلقي به الآخرون عليه بعبء مسؤولية ظلماً، فهل يمكن للتيار عندما يتحدّث عن معركته للإصلاح التي عطلها حزب الله بسبب أولوية الحزب الطائفية، أن يخبرنا متى حدث ذلك، في ظل الحكومة المشتركة بين التيار والرئيس سعد الحريري، وشهر العسل الناتج عن التسوية الرئاسية، أم في مرحلة اتفاق معراب الذي لا صفة له إلا السعي لوحدة الطائفة، أم بعد سقوط حكومة التسوية الرئاسية وقد دخلنا في الانهيار، وكان عنوان الثورة الملوّنة إسقاط التيار ووقف الحزب مدافعاً وفق معادلة العهد خط أحمر، طالما أنه يتحدث عن عهد الرئيس ميشال عون حصراً، لأنه قبل ذلك كان الحزب يستعمل حق الفيتو ليفرض حصة التيار الوزارية وصولاً لفرض رئاسة الجمهورية؟

اذا نسينا كل هذا، وقبلنا أن الحديث يدور عن انتفاضة إصلاحيّة بعد دخولنا الانهيار، وقراءة نقدية للتسوية الرئاسية لم نسمع عنها، ومثلها لاتفاق معراب لم نسمع عنه أيضاً، وان التيار وفق عدد من ناشطيه يريد تغييراً جذرياً، وقد نصدق ذلك، لأن أحداً لا ينكر خلفيات العماد ميشال عون الإصلاحية واللاطائفية، فيصير السؤال لبعض رموزه الذين ينطلقون من اعتبار الرئيس سعد الحريري خصماً ويضعون الرئيس نبيه بري بين الخصوم، ويصفون النائب وليد جنبلاط بحليفهما الثالث، ويوجهون سهام التصعيد بوجه حزب الله ويعتبر بعضهم أن التحالف معه صار عبئاً على التيار، من حقنا السؤال، بمن يريد هؤلاء خوض معركة الإصلاح، فهم يقولون إن رئاسة الجمهورية لا تملك الصلاحيات اللازمة لذلك وبهذا يفسرون مرحلة التسوية الرئاسية، فهم اذن يرفعون راية الإصلاح لنيّة مشروع آخر، وهل بقي غير انهم يريدون أخذ التيار بعيدا عن الخط الذي رسمه العماد عون كتعبير عن الالتزام بوحدة لبنان، كتعبير عن تماهيهم الضمني مع حزب القوات اللبنانية ومحاولة استعمال عنوان التيار لترويج سياساتها الفدرالية؟

التواضع شرط أخلاقي في ممارسة السياسة، ومشكلة لبنان أن جميع قواه السياسية النافذة والفاعلة مبتلية بالداء الطائفي وتجد له أعذاراً فيما يخصّها، وتضع شروطاً تعجيزية على غيرها لتخطيه، وترغب بممارسة دور الواعظ الإصلاحيّ بإلقاء المسؤولية عن الانهيار الشامل على الغير خصماً او حليفاً، والرئيس فؤاد السنيورة يقول إنه لو اتبعت نصائحه لما وصل البلد الى ما وصل اليه! عجيب غريب لبنان!

مقالات متعلقة


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Saturday, 12 June 2021

هل يمارس لبنان المقاومة السياسيّة والاقتصاديّة؟

11/06/2021

 العميد د. أمين محمد حطيط _

لم يشهد لبنان في تاريخه الحديث كمّاً من الأزمات يتوالد ويتفاقم بسرعة وعمق بالشكل الذي يشهده اليوم. وصحيح أنّ بنية النظام الاقتصادي اللبناني واهنة والإدارة اللبنانية فاسدة والتبعية قاتلة، لكن هذا ليس بجديد فنظام الاحتكار والوكالات الحصرية غير المبرّرة قديمة العهد ولم تقوَ حكومة أو مسؤول على الإطاحة بها، لا بل كان رأس المسؤول يتدحرج عندما كان يتجرّأ على طرحها (كما حصل مع وزير الصحة البيطار عندما فكر بمعالجة موضوع الدواء وضبطه بعيداً عن المحتكرين) أما الرشوة والنهب وكلّ وجوه الفساد المالي والإداري فهي متلازمة مع هذا النظام السياسي القائم على العشائرية والطائفية والمحاصصة الأنانية وسلطة الزعيم في الطائفة، ونختصر الأمر بالقول إنّ الواقع الرديء للبنان من حيث السياسة والإدارة والاقتصاد أمر غير مستجدّ، لا بل هو قديم قدم النظام اللبناني ولا ننسى أنّ أول رئيس جمهورية في لبنان أطيح به بتهمة الفساد. وهنا يطرح السؤال لماذا وصلنا اليوم إلى هذا الواقع المرير إذن رغم أنّ الأسباب الداخلية قديمة؟

قد نجد الردّ منطقياً بالقول إنها الشعرة التي قصمت ظهر البعير، أو إنها النقطة التي فاض بها الكأس، أو إنها اللحظة التي تفصل الموت عن الحياة، وإنّ الطريق الخاطئ الذي سلكه لبنان منذ تأسيسه عامة ومنذ العام 1992 خاصة كان لا بدّ من أن يؤدي به إلى ما هو عليه اليوم من بؤس وعوز وفقر بعد أن نهب المال وسخرت الدولة لمصلحة طبقة سياسية سارقة دخلت إلى الدولة ولا تملك ليرة واحدة ووصلت عبر السلطة إلى امتلاك مليارات الدولارات التي بلغت عند بعضهم 16 مليار دولار لم يجنها إلا نهباً وسرقة واغتصاباً من الدولة.

وعلى وجاهة هذا التبرير والتفسير، يبقى السؤال لماذا لم يتعرّض لبنان في ظلّ مراحل سبقت وكانت ظروفها أشدّ قسوة وتعقيداً، لماذا لم يتعرّض لربع ما هو عليه اليوم، إذ رغم حرب السنتين في العام 1975 لم تهدّد الودائع المصرفية بالتبخر ولم يتدهور سعر صرف الليرة، ورغم العدوان “الإسرائيلي” في العام 1982 وما تبعه من حروب خاصة كحرب الجبل وحرب إسقاط اتفاق 17 أيار لم تفقد المواد الغذائية والأدوية والمحروقات من السوق رغم ارتفاع أسعارها، وفي الحروب الداخلية ضمن الطوائف والمذاهب وتعاظم الخطر والمخاطر الأمنية في كلّ بيت في تلك الطائفة أو المذهب أو ذاك لم نشهد ما نراه اليوم من ذعر وخوف على حليب الأطفال ودواء المرضى و… و… إلخ…؟ فلماذا نحن الآن هنا إذن؟

أعود وأكرّر وأؤكد أنّ بنية الاقتصاد اللبناني الذي أقيم بشكل خاص بعد العام 1992 ليكون اقتصاداً ريعياً غير إنتاجي واقتصاد خدمات واهن تابع، معطوفة على فساد في الحكم والإدارة وكلّ شيء في الدولة التي يعمل فيها بقاعدة “الوظيفة العامة ملكية استثمار وليست خدمة ولا مسؤولية”، وان نجاح المسؤول في وظيفته يُقاس بمقدار ما يسرق وما ينهب من المال العام وأموال الناس لنفسه ولجماعته، وأنّ ذلك يشكل أسباباً كافية للوصول بنا إلى حيث نحن من كوارث جعلت الدولة وشعبها في سحيق الانهيار وخطر الزوال، لكن مقارنة ما نحن فيه مع ما سبق من مراحل وحالات سيئة بل أسوأ يثير السؤال هل الفساد الداخلي وطبيعة الاقتصاد اللبناني وحدهما هما سبب ما نحن فيه أم هناك عوامل أخرى.

في موقف جريء وبعد أن لمس الحقيقة لمس اليد، صرح رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب بأنّ “لبنان يتعرّض لحصار خارجي مطبق”، وهي حقيقة كان على المسؤول أن يواجهها منذ أن اعتمدت وهنا نذكر بأننا كنا من أوائل من نبّه إلى هذا الأمر وفصلناه في العام 2019 عندما جاء وزير خارجية أميركا وأطلق من بيروت خطة انهيار لبنان لإسقاط المقاومة التي أطلقنا عليها تسمية “خطة بومبيو” والتي قلنا مؤخراً إنها لا تزال سارية المفعول حتى الآن، وهي الخطة التي أُرسيت على حلقات خمس، تبدأ بالفراغ السياسي، ثم الانهيار المالي، ثم الانهيار الاقتصادي وصولاً إلى الانفجار الأمني، تمهيداً لعدوان “إسرائيلي” ينفذ اذا تمّ النجاح في الحلقات الأربع السابقة.

ولكن بدل المواجهة رأينا كيف أعان المسؤولون في لبنان وفي مختلف المواقع أميركا على تنفيذ خطتها، التي تسبّبت بالفراغ السياسي الذي يتخبّط به لبنان منذ أن استقال سعد الحريري بشكل فاجأ شركاءه في تشرين الأول 2019، ولا يزال هذا الفراغ قائماً حتى اليوم بعد أن حُمل حسان دياب على الاستقالة وتعثرت كلّ مساعي تشكيل الحكومة من 10 أشهر وهي لن تتشكل حتى تمتلك جرأة إسقاط القرار بالفراغ السياسي. أما الانهيار الاقتصادي مقروناً بالنقدي فقد نجح سياسيون وإداريون وموظفون وطبقة مصرفية واقتصادية ومالية مرتبطة بأميركا وتسير على الإيقاع والتوجيه الأميركي نجحوا في إحداثه بشكل يفوق ما توقعت أميركا نفسها، حيث إنهم وبكلّ وقاحة وخلافاً للأنظمة والقوانين والدستور وضعوا اليد على ودائع الناس في المصارف وتحكموا بها وحرموا أصحابها منها وألقوهم في دوائر العوز والضيق دون أن يرفّ لهم جفن.

وفاقم الأوضاع سوءاً ما أسمي العقوبات الأميركية على سورية وما جاء في قانون قيصر الأميركي بصددها، فنال لبنان من الحصار والعقاب أكثر ما تأثرت به سورية نفسها والسبب عائد لاختلاف طبيعة الاقتصاد في البلدين والأداء الرسمي لدى الحكومتين.

والنتيجة أنّ أزمة لبنان الاقتصادية والضيق النقدي والمالي الحالي عائد لفئتين من الأسباب فئة داخلية تتعلق بطبيعة الاقتصاد والفساد الداخلي في الدولة وعلى شتى الصعد، وخارجية وتتعلق بالحصار الاقتصادي لا بل الحرب والعدوان الاقتصادي الذي تشنّه أميركا مع أتباعها ضدّ لبنان وهو ما قصده رئيس الحكومة بالحصار المطبق على لبنان.

وبالتالي تكون المواجهة للخروج من الكارثة النازلة بلبنان اليوم عبر العمل على خطين، عمل داخلي ويركز على الإصلاح الذي يجب أن يكون شاملاً ويتناول كلّ الأسباب الداخلية ويستوجب حكومة وطنية حقيقية وليس مجلس إدارة يمارس عملية النهب التحاصصي، ومواجهة مع العدوان الخارجي، مواجهة قد تتردّد الدولة أو يتعذر توفر الشجاعة والجرأة لدى المسؤولين فيها لاتخاذ قرار المواجهة كما حصل في مسائل كثيرة سبقت، وهنا يكون على الشعب أن يظهر مقاومته للعدوان وكما انبرت أقلية شعبية في الماضي لتنظيم مقاومة ضدّ العدوان والاحتلال “الإسرائيلي” للجنوب ونجحت في فرض التحرير فإنّ الشعب اللبناني مدعو اليوم إلى ممارسة المقاومة الاقتصادية وهي حق مشروع للدفاع عن النفس من باب لقمة العيش، ومن هنا يجب أن يفهم موقف سيد المقاومة في لبنان أو بالأحرى سلسلة مواقفه التي بدأت بشعار لن نجوع ولن نركع، ووصلت في محطته الأخيرة إلى الإعلان عن الاستعداد لاستيراد المحروقات من إيران إنْ استمرّت الدولة في عجزها عن ذلك.

وهنا وعلى سبيل التذكير نقول انه في العام 1982 عجزت الدولة عن منع العدوان ومنع الاحتلال وقبله عجزت عن تطبيق القرار 425 وتحرير الشريط المحتلّ في الجنوب فانبرت المقاومة وحرّرت ممارسة لحق تكفله كلّ الشرائع والمواثيق الدولية، واليوم إذا استمرت الدولة في عجزها عن تأمين احتياجات العيش للمواطنين بسبب حصار يريد تركيع جمهور المقاومة، فليس من حق أحد أن ينتقد مبادرة لمنع الجوع والمرض.

وبهذا… وبكلّ تأكيد يكون السيد في مواقفه في المحطات المتسلسلة منذ سنتين تاريخ العمل بخطة بومبيو لانهيار لبنان، يكون السيد قد مارس المقاومة السياسية في رفضه للفراغ السياسي بدءاً من رفضه لاستقالة الحكومة وصولاً إلى رفضه حلّ مجلس النواب الحالي، ويكون مارس المقاومة المالية رفضاً للانهيار المالي ونهب ودائع الناس عبر إدارة أموالهم من خلال مؤسسة القرض الحسن التي يقصفها أعداء المقاومة بشتى النعوت والتهم الباطلة، والآن يمارس المقاومة الاقتصادية لتأمين حاجات المعيشة. انها المقاومة التي شعارها لأهلها “سنخدمكم بأشفار العيون”.

*أستاذ جامعي – خبير استراتيجي

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Friday, 26 March 2021

دور الولايات المتحدة في الانهيار المالي


 زياد حافظ

الانهيار المالي في لبنان يعود إلى الانهيار الاقتصادي الذي يشهده الوطن بشكل مبرمج وتدريجي وذلك منذ 1993. لقد أوضحنا في أوراق ومحاضرات عديدة الأسباب البنيوية التي أدّت إلى ذلك الانهيار وهي منشورة في صحيفتي «البناء» و»الأخبار» وعلى موقع منبر التواصل، وبالتالي لسنا مضطرّين لتكرارها. نكتفي بعرض الخطوط العريضة حيث الخيار آنذاك كان جعل اقتصاد لبنان اقتصاداً خدماتياً ريعياً يرتكز إلى القطاع المصرفي الذي يتحكّم بالقطاع العقاري والسياحي. فالاقتصاد المشوّه وسياسات الاستدانة المفرطة بفوائد ربوية لا مبرّر لها اقتصادياً وحتى مالياً وربط سعر صرف الليرة بالدولار بينما معظم التجارة الخارجية اللبنانية كانت مع دول خارج إطار الدولار، فكلّ ذلك أدّى إلى انكشاف تجاه الخارج وسياسة استهلاك مفرط عبر الاستيراد ما أدّى إلى عجز كبير في الميزان التجاري والطلب غير المشروع على العملة الأجنبية. والفوائد الربوية التي فُرضت قتلت أيّ مبادرة لتشجيع الصناعة والزراعة وتخفيف اللجوء إلى الاستيراد أو عجز الميزان التجاري. وإذا أضفنا عامل جائحة كورونا والضغط على البنية التحتية الصحية والإقفال القسري للعجلة الاقتصادية والتداعيات لتفجير مرفأ بيروت فنفهم حجم الأزمة القائمة. بمعنى آخر، فإنّ الأزمة المالية إنْ لم نقل الكارثة، كانت حتمية وذلك لأسباب موضوعية بغضّ النظر عن أيّ دور خارجي الذي لا يمكن إغفال دوره في تسريع وقوع الكارثة. هذه هي الخطوط العريضة التي تحكم المقاربة المقدّمة.

ما يهمّنا في هذه المداخلة هو إلقاء الضوء على المسؤولية التي يتحمّلها العامل الخارجي في تسبّب الأزمة المالية القائمة كما على دور العامل الداخلي. العامل الخارجي تقوده الإدارة الأميركية منذ بداية التسعينات عند إطلاق العولمة بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكيك الاتحاد السوفياتي. الهدف كان تحويل الدول في العالم إلى قطاعات استهلاكية فقط دون أيّ سيادة سياسية واقتصادية على مقدرات الأوطان. العولمة تزامنت مع تصاعد التوجّهات النيوليبرالية التي ركّزت على أمولة (financialization) رأس المال والاقتصاد الافتراضي. ومن أدوات ذلك التحوّل ترويج سياسة الاقتراض بحجة أنّ الدين هو الرافعة الاقتصادية لجني أكبر حصة من المردود على الرأس المال. العامل الداخلي متعدّد الأطراف ولكن القوّامة هي للقطاع المصرفي الذي حصل على الغطاء السياسي العربي والدولي في المهمة المشبوهة.

مقاربة الدور الأميركي في الانهيار المالي في لبنان تتطلّب قراءة في الاستراتيجية الأميركية في المشرق بشكل عام والمشرق العربي بشكل خاص. قراءتنا لمجمل الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأميركية منذ عقود تقودنا إلى أنها كانت وما زالت تستهدف سورية في المرتبة الأولى وذلك خدمة للكيان الصهيوني. فالسبب هو حماية الكيان والهدف هو سورية بشكل عام واستراتيجي والمقاومة في لبنان بشكل خاص. أيّ بمعنى آخر، فإنّ الإجراءات الأميركية عبر سلسلة العقوبات التي فرضتها على عدد من الشخصيات والقوى السياسية في لبنان، وعلى عدد من المؤسسات المالية، تأتي في ذلك السياق، أيّ استهداف المقاومة واستهداف سورية في آن واحد.

أضف إلى ذلك في ما يتعلّق في لبنان كان الرهان للنخب الحاكمة آنذاك أنّ السلام سيحّل في منطقة شرق الأوسط خاصة بعد مؤتمر مدريد، واتفاق أوسلو، واتفاق وادي عربة. وهذا الرهان، بوحي أميركي وأدوات عربية ولبنانية، هو سبب الخيار على تحويل لبنان إلى مركز مالي عبر تضخيم دور المصارف. فتمّ ذلك عبر الاستدانة المفرطة والعشوائية وغير المرتبطة بمشاريع إنمائية بل فقط لتسديد الدين المتراكم بشكل مصطنع (فوائد باهظة على سندات خزينة قصيرة الأجل لتمويل مشاريع طويلة الأجل على حدّ زعم المسؤولين آنذاك!). كل ذلك كان بتشجيع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية التي تطالب الآن بـ «إصلاحات»! تغيّرت الأمور بعد 2001 فكان قرار الولايات المتحدة احتلال أفغانستان ومن ثم العراق. فالغطاء الدولي (الأميركي الفرنسي) والعربي (سورية وبلاد الحرمين) لم يعد قائماً، فدخلت البلاد مرحلة عدم استقرار هدفها إخراج سورية من لبنان (2005) وفي ما بعد نزع سلاح المقاومة بعد عملية عسكرية في 2006 إلاّ أنها فشلت فشلاً ذريعاً.

بدأ الضغط يتصاعد تجاه سورية في منتصف شهر آذار/ مارس 2011 خاصة بعد إطلاق ما سُمّي بالربيع العربي. استمرّ ذلك التصاعد في ولايتي الرئيس أوباما وخاصة في ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب وبشكل أدقّ منذ النصف الثاني من ولايته تحت رعاية وزير خارجيته ومكتب مراقبة الأصول الخارجية «أوفاك» (Office of Foreign Assets Control) التابع للخزينة الأميركية والتي يسيطر عليها بشكل شبه مطلق اللوبي الصهيوني. ويشارك الولايات المتحدة كل من الاتحاد الأوروبي كمجموعة وكدول إضافة إلى المؤسسات المالية الدولية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة.

دور الولايات المتحدة وشركائها الدوليين والعرب في الانهيار المالي في لبنان يعود إلى الموافقة والإشراف على الخيارات البائسة والسياسات الخاطئة منذ 1993 بشكل محدّد وصولاً إلى 2010. وهذه الخيارات أدّت إلى الانهيار الذي نشهده اليوم وإنْ بدأ فعلياً وعلناً عبر عقد مؤتمر باريس 1، وثم باريس 2، وثم باريس 3، وثم مؤتمر «سيدر» بدلاً من مؤتمر باريس 4! لكن خلال تلك الحقبة استطاعت الولايات المتحدة التساكن مع سورية والمقاومة في لبنان خاصة بعد اتفاق 1996. لكن تغيّرت الأوضاع بعد 2010 مع قرار استهداف الولايات المتحدة لسورية مباشرة فبدأت الإجراءات عبر محاصرة سورية من لبنان في الشقّ المصرفي حيث كان النظام المصرفي اللبناني يؤمّن التمويل للاستيراد السوري. معدّلات «النمو» في لبنان كانت حتى ذلك الحين مقبولة نسبياً وفي إطار المساكنة مع حزب الله. لكن مع «سياسة النأي بالنفس» المتكاملة مع فريق من اللبنانيين في دعمه لزعزعة الاستقرار في سورية بدأ التراجع السريع في الاقتصاد اللبناني وماليته. فكان الوقف بالتعامل مع الحسابات السورية في المصارف اللبنانية. وهذه التطورات كانت الترجمة الفعلية لانصياع الدولة للقرار الأميركي مع استمرار المساكنة الأميركية مع وجود حزب الله في الحكومة. لكن مع وصول دونالد ترامب للسلطة وتولي محمد بن سلمان ولاية العهد في بلاد الحرمين تناثرت المساكنة للتحوّل إلى هجوم ممنهج على لبنان عبر استهداف القطاع المصرفي. والاستراتيجية المتبعة من قبل الولايات المتحدة كانت «تجفيف» مصادر السيولة للبنان للضغط على المسؤولين ولافتعال أزمات اقتصادية ومالية تجلّت في ما بعد في انتفاضة 17 تشرين الأول 2019.

إرهاصات ما حصل قد ظهرت مع «احتجاز» رئيس الحكومة سعد الحريري في الرياض بعد أن تولّى محمد بن سلمان ولاية العهد. منذ ذلك الحين كان الضغط الخليجي على لبنان يزداد عبر تجنّب المواطنين التابعين لمجلس التعاون بالحضور إلى لبنان. من جهة أخرى كانت ملاحقة متموّلين لبنانيين في العديد من الدول وخاصة في غرب أفريقيا على أساس أنهم من مموّلي المقاومة كما تمّ الضغط على عدد من المصارف المحسوبة على البيئية الحاضنة للمقاومة فتمّت تصفية مصرفين (اللبناني الكندي وجمّال تراست) بحجج واهية.

البنية الاقتصادية والخيارات وثم السياسات المتبعة بتشجيع أميركي لأهداف تخدم استراتيجيتها الكبرى ليس في لبنان فحسب بل في المنطقة بأكملها هي التي تفسّر الانهيار. الدور الأميركي هو دور تفعيلي وتسريعي للانهيار ولكن ليس المسبّب لها. فإجراءات أكثر فظاظة للإدارات الأميركية المتتالية في كلّ من الجمهورية الإسلامية في إيران، وفنزويلا، وكوبا لم تفلح لأنّ البنى الاقتصادية كانت أمتن مما هي عليه في لبنان وبسبب حرص المسؤولين في تلك البلاد على الحفاظ على استقلالية القرار السياسي والاقتصادي والتفاف شعوب هذه الدول حول قياداتها. بينما الخيارات والسياسات التي اتبعت من قبل المسؤولين اللبنانيين أدّت إلى تبعية شبه مطلقة لا تقيم وزناً للحدّ الأدنى للكرامة الوطنية وتعطي للقرار الأميركي الأولوية. التقرير الأخير الصادر عن الأمم المتحدة يدين التدخّل السافر في الشأن الاقتصادي الفنزويلي حيث الدولة البوليفارية فقدت وفقا للتقرير ما يوازي 99 بالمائة من وارداتها من جرّاء الحصار الأميركي، ورغم ذلك لم تفلح الإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها. لكن هذا لا يعني أنّ التدخل الأميركي في لبنان وإنْ كان أقلّ شراسة لا فعّالية له بل العكس هو المسرّع للانهيار المالي في لبنان.

الاستراتيجية الأميركية التي تستهدف سورية تطلّب الضغط على القطاع المصرفي لتجفيف مصادر التمويل الاستيرادي لسورية. فالبضائع المستوردة لصالح سورية كانت تموّل من القطاع المصرفي في لبنان ومن بعد ذلك يتمّ إيصالها إلى سورية. البعض اعتبر ذلك «تهريباً» لسورية بينما هو في الفعل بضائع لسورية دفعت بأموال سورية. «التهريب» دفع الجيش الأميركي لفرض أبراج مراقبة على الحدود اللبنانية بينما في الأساس هو لضبط التواصل بين سورية والمقاومة من جهة ومنع إيصال البضائع لسورية. شركة «بارسون» حازت على مناقصة عرضتها الوكالة الأميركية (DTRA) وهي وكالة حكومية أميركية موكلة بتخفيف مخاطر الدفاع كما أورده الصحافي حسن علّيق، وذلك لتعزيز مراقبة الحدود اللبنانية السورية. تمّ ذلك دون علم الحكومة اللبنانية إلاّ قائد الجيش!

الهدف من الضغط على القطاع المصرفي في لبنان وصولاً إلى تجفيف السيولة هو خلق حالة من الفوضى تؤدّي إلى تأليب الرأي العام داخل البيئة الحاضنة للمقاومة للانتفاض عليها ونزع سلاحها. هذا فشل وبالتالي بعض العقول الأميركية حذرت من تلك المخاطرة كجيفري فيلتمان الذي نصح بالضغط على حلفاء المقاومة وتحميلهم المسؤولية لتردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية خاصة على ذلك الحليف المسيحي وهذا ما حصل بالفعل وهو ما نشهده في هذه الأيام. هناك تناس متعمّد لمسببّي الفساد والانهيار لأنّ الهدف الأساسي هو محور المقاومة عبر استهداف الحلقة الأضعف في ذلك المحور، البيئة الحاضنة لحلفاء المقاومة.

استجابة القطاع المصرفي للضغط الأميركي تلازم مع «فرصة» اقتناص الأموال المودعة عبر التحويل إلى الخارج لمستويات كبيرة من الودائع ما أدّى إلى انخفاض الاحتياط بالدولار. الأزمة السياسية المزمنة أعطت الفرصة للقطاع المصرفي لتحقيق أرباح سريعة وعلى حساب المودع كما أنّ عجز الدولة في تسديد التزاماتها تجاه حاملي السندات تلازم مع رفض المصارف في تسديد مطالب المودعين بحجة الوضع المالي الحكومي. طبقة سياسية فاسدة، وحكومة عاجزة، وقطاع مصرفي متوحّش في مناخ من التشجيع الأميركي للمزيد من التراجع وصولا للانهيار هو سمة المشهد الحالي.

لكن ما ينهار في لبنان هو أيضاً البيئة والقوى المؤيّدة للسياسة الأميركية. فانهيار قطاع المصارف في لبنان لا يخدم الولايات المتحدة بل العكس لأنها تفقد بذلك الانهيار أداة فاعلة للسيطرة على المواطن اللبناني والسياسة اللبنانية. لكن في المقابل فإذا كانت كلفة المواجهة مع سورية هي انهيار القطاع المصرفي في لبنان فليس هناك في الإدارة الأميركية من سيترحّم عليه، وهذا ما لا تستطيع أدراكه النخب المصرفية التي تصرّفت بشكل انتحاري وموهومة بانها ستنجح في سرقتها الموصوفة لودائع اللبنانيين دون أيّ مساءلة ومحاسبة. وهنا يكمن الخطأ الفادح في التقدير عند تلك النخب.

هذه القراءة الخاطئة لموازين القوّة عند النخب المصرفية والحاكمة في لبنان تفسّر «نجاح الضغوط» عبر التدخّل السافر الأميركي في الشأن الداخلي اللبناني. والبيئة الحاضنة لذلك التدخل ليس فقط ضمن المنظومة الحاكمة ولكن ضمن الثقافة والوعي لشرائح واسعة من المجتمع اللبناني التي تريد تحميل مسؤولية تراجعها وتهميشها إلى المقاومة ومن يدور في فلكها. ولكن من جهة أخرى هذه الشرائح ونخبها لا تشعر بالحدّ الأدنى من الكرامة الوطنية. فعندما يتجرّأ قاض لبناني على تصرّفات السفيرة الأميركية في لبنان تتمّ إقالة القاضي الشجاع الذي لا ينتمي إلى أيّ حزب ألاّ أنّ لديه فائضاً من الكرامة غير الموجودة عند هذه النخب. ويمكن أن نسترسل في ثقافة التغريب وجدوى التبعية المفرطة للقرار الخارجي واعتبار أنّ كلّ شيء غربي ممتاز بما فيه التحكّم بمصير الشعوب ولكن هذا حديث آخر.

ما يهمّنا التأكيد عليه أنّ الإجراءات والضغوط الأميركية لم تكن لتنجح لولا استعداد تلك البيئة لتقبلها دون أيّ مقاومة كي لا نقول بكلّ ترحيب. فما وصلنا من أخبار للوفود اللبنانية لواشنطن للتفاوض مع الخزينة الأميركية حول الإجراءات التي كانت تنوي اتخاذها بشأن بعض المصارف تفيد بأن بعض المصرفيين في لبنان كانوا يزايدون على الخزينة الأميركية للضغط على المقاومة وبيئتها.

الأزمة المالية ارتبطت الآن بالأزمة السياسية وتشكيل الحكومة. وما شهدناه من تبادل في الاتهامات يوحى أنّ الأزمة مستمرّة ومتفاقمة. فالتمويل الخارجي لن يأتي إلاّ بشروط تعجيزية ومن يطالب بتلك الشروط من اللبنانيين ليس معنياً بالمصلحة الوطنية بل فقط بالعودة إلى حالة ما قبل الانفجار الاقتصادي والمالي، وفي ما يتعلّق بتفجير مرفأ بيروت فحتى الساعة لا نعرف من هو المسؤول.

في الختام نقول إنّ مسؤولية الانهيار في لبنان تعود إلى العامل الداخلي وإلى العامل الخارجي وإنْ كنّنا نرجّح قوّامة العامل الداخلي وخاصة القطاع المصرفي على العامل الخارجي. فالتدخل الخارجي لم يكن لينجح لولا «استعداد» شريحة كبيرة من النخب الحاكمة لتقبّل ذلك التدخل إنْ لم تطلبه بشكل صريح. والدعوات الأخيرة لتدويل البلاد تدعم ما نقوله. فالوطنية عند هؤلاء هي آخر في المطاف وجهة نظر فقط!

*مداخلة في ندوة «كرامة وطن» في بيروت عبر «الزوم» في 18/3/2021

كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!