Showing posts with label Diab's Road Map for Reform. Show all posts
Showing posts with label Diab's Road Map for Reform. Show all posts

Thursday, 2 July 2020

الحكومة تترنّح وتحتاج إلى قضيّة ‏




الأكيد أن لا بدائل راهنة عند أحد في الداخل والخارج لحكومة الرئيس حسان دياب، لكن الأكيد هو أن خصومها يريدون لها أن تترنح لتكون جاهزة للسقوط عندما يصبحون جاهزين لوراثتها، سواء عبر انتصار سياسيّ إقليميّ على حلفاء الحكومة أو نضوج فرص التسوية معهم، والأكيد بالمقابل أن حلفاء الحكومة منقسمون في أولوياتهم، والحكومة بجدول أعمالها زادت الانقسامات فأضعفت الحلف الواقف خلفها وضعفت معه، ورغم ما يحق للحكومة أن تتباهى به لجهة وقف الانهيار السريع عبر توقفها عن دفع مستحقات سندات اليوروبوند، ورغم ما أنجزته في مواجهة كورونا بنجاح، ورغم أحقية الكلام عن عراقيل وضغوط خارجية وداخلية لأي محاولة للإنقاذ، إلا أن ذلك لا يشكّل إلا وصفة لتبرير الفشل، وليس لتحقيق النجاح، فيمكن التحدّث ليلاً نهاراً عن التركة الثقيلة وعن مصرف لبنان والمصارف وعن شبكة المصالح والمحاصصة، وعن التعقيدات الدولية والإقليمية، لكن لتقديم خلاصة مفادها، أن الحكومة تصرّف الأعمال ولا تملك خطة بل وربما لم تعُد تملك قضية، والأهم ليس أن تقتنع الحكومة بما تفعله، بل أن تستطيع إقناع اللبنانيين أنه المطلوب، وليس مهماً أن تتفاءل الحكومة بأن الغد أفضل من الأمس واليوم، بل أن تبقي نوافذ الأمل مفتوحة أمام اللبنانيين بوقائع عيشهم اليومية، لأن هذه هي مهمة السياسة.
الأسباب التي تُساق في تفسير الشلل الحكومي بمواجهة تفاقم الأزمة، والتي يتحدّث عنها الوزراء كلما سئل أحدهم عما يفعلون، معلومة قبل تشكيل الحكومة، ومن لا يملك وصفة واقعية وممكنة للتعامل معها وفي ظلها، كان الأفضل ألا يتحمّل المسؤولية، لا أن يتحدث اليوم عن مشكلات تبرر العجز يعرف اللبنانيون أنها كانت موجودة غداة تشكيل الحكومة، فلو كانت الجهات الدولية المقرّرة في توفير الأموال بوارد التراجع عن شروطها السياسية لما استقال الرئيس سعد الحريري، الذي يربط جهوزيته للبحث بالعودة بتغيّر هذه الظروف لأنه لا يريد أن يتحمل تبعات الانهيار الذي يتحمل مسؤولية رئيسية مع حلفائه وشركائه في الحكم في إنتاجه، وعدم دعم الحلفاء لمشاريع جذريّة كتغيير في مصرف لبنان أو تمسكهم بأسلوب المحاصصة، أو عدم تحول الشارع الغاضب إلى قوة دعم للحكومة لتحقيق توازن جديد مع الحلفاء والخصوم، وعدم وجود تيار نخبويّ فاعل إعلامياً وثقافياً وسياسياً يستثمر على فكرة حكومة مستقلين، كلها نتائج لم تكن بحاجة لاختبار ستة شهور لاكتشافها. وكان على الحكومة عدم الوقوع بأوهام أنها تملك قوة دفع تتيح لها تحقيقها، أو الرهان على نجاح مأزق الآخرين بفتح النوافذ لسقوف عالية في مطالبها وصولاً لتعديل التوازنات، بخوض الاشتباكات على كل الجبهات دفعة واحدة. هكذا وقعت الحكومة في تجريبية سياسية واقتصادية ومالية أفقدتها بالتدريج وهج الاندفاعة، وحوّلتها إلى قوة الاستمرار بفعل الجاذبية ورفض الطبيعة للفراغ.
لا صندوق النقد الدولي يقف وراء الباب، ولا سعر الصرف قابل للتحكم، ولا خطة إصلاح جذرية قابلة لتحقيق نتائج فورية، ولا إجراءات جراحيّة في مواجهة الفساد يمكن أن تحدث صدمة إيجابية، والناس غير مهتمة بما يمكن أن تقوله الحكومة عن إنجازات بمعايير دفترية، فالإنجاز الوحيد المطلوب، والخطة الوحيدة المطلوبة، والجواب الوحيد المطلوب، كيفية توفير فرص الصمود أمام اللبنانيين وحفظ الاستقرار الأمني، وتخفيض التوتر السياسي، ريثما يحدث أحد ثلاثة أمور، مناخ سياسي إقليمي جديد يتيح تغييراً في العلاقات الخارجية لصالح الانفراج، تقدير دولي لخطر الانهيار اللبناني يدفع لتمويل حاجات خطط النهوض من دون شروط سياسية قاتلة، تبلور تفاهمات سياسية داخلية بين الحلفاء أو بينهم وبين الخصوم تتيح فصل ما هو وطنيّ عما هو سياسي، على قاعدة التفاهم على معالم خطة إصلاحية واقعية تقتنع الحكومة بأنها أفضل من مئة خطة جميلة لا تعرف طريق التطبيق، ويعرف الآخرون أنها استحقاق لم يعد يقبل التأجيل.
بانتظار ذلك، خطة الصمود هي ببساطة وضع ترتيبات تتيح بما لدى مصرف لبنان من احتياطات بالعملات الصعبة، وما يأتي من تحويلات، وما قد يأتي من تنشيط حركة السفر إلى لبنان، توفير ما يكفي لحاجات لبنان لخمس سنوات بأسعار تضمن للمواطن اللبناني الحصول على أساسيات العيش بكلفة لا تزيد بأكثر من 50% عن كلفة تأمينها قبل عام من الآن. وهذا عملياً يعني العودة باللبنانيين إلى ما قبل سلسلة الرتب والرواتب من حيث مستوى معيشتهم، وهو أمر يمكن التأقلم معه ريثما تتوافر الفرص لخطط نهوض جدية، أو لانفراجات واقعية، وهذا ممكن وليس شديد الصعوبة تحقيقه، ويستدعي قراراً حاسماً بفصل الكتلة الأساسيّة من حاجات اللبنانيّين عن أسعار سوق الصرف، الخبز والمحروقات والكهرباء والهاتف والدواء واللحوم والألبان والأجبان والبيض وسائر المواد الغذائيّة الرئيسية، وإيجارات المنازل وأقساط المدارس والجامعات، وبدلات النقل، وتجميد الديون وفوائدها واستحقاقاتها على اللبنانيين أسوة بتجميد ودائعهم، وهذا بالطبع يستدعي فتح الباب لصناعات وزراعات كانت موجودة ودمّرها النظام الريعيّ، كما يستدعي الانفتاح على أسواق رخيصة، واعتماد التبادل بالسلع أو بالعملات الوطنية مع الخارج كأولوية، والتكامل في خطة الصمود مع الجوار الذي يبدأ بسورية بواقعية مصلحية، بمعزل عن السياسة.
على الحكومة أن تسارع بمصارحة اللبنانيين، بما لا تستطيع فعله ولا تعِد بفعله، وبما تستطيع وتعِد به وستفعله، وبخطتها تحت عنوان الصمود وليس الحلول السحريّة، وعن منع الأسوأ وليس تحقيق إنجازات، وعن فعل الممكن وليس الانتظار.

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Tuesday, 16 June 2020

دياب وخصومه: المواجهة داخل الحكومة وخارجها



الانتفاضة تربك الحكومة و«المعارضة»: حزب الله يطمئن دياب والحريري


إبراهيم الامين - العنكبوت | Alankabout - أخبار لبنان - أخبار ...
الإثنين 15 حزيران 2020
لم يكن خطاب رئيس الحكومة، أول من أمس، عادياً. لكنه لم يكن نقطة تحوّل يمكن البناء عليها. في الشكل، قال الرئيس حسان دياب ما يمكن توصيفه بأنه تشخيص واقعي للأزمة. وهو جهد بات معلوماً ومفهوماً من الجميع. وحتى إشارته، مجدداً، إلى الفاسدين أو المسؤولين عن الكارثة ليس فيها جديد. بل إنه لا يزال متخلّفاً خطوات عن الاتهام المباشر الذي وجّهه الشارع إلى من يجب أن يتحمل المسؤولية عن الأزمة. ومشكلة دياب ستتفاقم كلما بقي يهرب من مهمة تسمية الأمور بأسمائها، وعدم تكرار ما يقوله السياسيون عن بعضهم البعض، عندما يطلقون اتهامات عامة، تعني في كل الحالات: لا شيء!
ما قاله دياب عن واقع الأزمة وعما يجري من خطوات سياسية من قبل خصومه، وعن تقديره لمتطلبات المرحلة، أمر معروف وليس فيه ما يثير أحداً. وهو لمّح إلى وقائع قال إنها موجودة لديه حول «ليلة الانقلاب الفاشل»، وهدّد بنشرها، لكن لا يبدو أنه سيفعل. والخشية كل الخشية منه أن يفعل ذلك في الوقت الضائع، علماً بأن الكل شعر بأن هناك من رغب في تكرار تجربة أيار 1992، عندما تولّى الراحل رفيق الحريري، بالتعاون مع كل أركان الطبقة (وهم أنفسهم الموجودون اليوم)، إطاحة الحكومة من خلال «سلاح الدولار». الانقلاب تطلّب تحريضاً غير مسبوق، بأبعاد طائفية ومذهبية، وماكينة شائعات جعلت الدولار بسعر خيالي (وفق حسابات اليوم، وقد يكون واقعياً بحسابات الغد)، وكان هؤلاء يتوقّعون مستوى من الفوضى لا يقدر أحد على ضبطه، وعندها تكون المهمة دفع الحكومة الى الاستقالة. لكن ما فاتهم، هو تماماً ما قاله دياب، من أنه شخصياً ليس في وارد الاستسلام. وربما بات على خصومه معرفة حقيقة أنه قليل التأثر بكل أشكال الدعاية. فهو، أساساً، دخل دائرة النار يوم قبل المهمة، وواجه كل محاولات الحرم السياسي والطائفي والمذهبي.
مع ذلك، فإن دياب عندما تحدّث بحرقة عما يحصل، ودافع عن نفسه بأنه ليس من ضمن فريق الخراب في البلاد، كان يعبّر عن قلق مستجدّ. وهو قلق ليس مصدره خصوم الحكومة، بل حلفاء الحكومة. ولذلك، سارع منذ الأربعاء الماضي، وعلى مدى يومين كاملين، شخصياً ومع مساعديه وحلقة وزارية مؤثرة، إلى الاتصال بكل من بيدهم الأمر، وسؤالهم مباشرة عما إذا كانوا في صدد إطاحة الحكومة. وكان حريصاً على سماع الأجوبة الواضحة والمباشرة وغير القابلة للتأويل، والخلاصة التي تهمّه كانت: لا، ليس بيننا من يريد الانقلاب على الحكومة!
هذه الخلاصة سمحت له بقول ما قاله في خطابه. لكن، مع الأسف، هذه خلاصة تخصّ دياب وحده، أو تخصّ حكومته وحدها. لكنها لا تعالج مشكلاته المتفاقمة يوماً بعد يوم، سواء من داخل الحكومة، حيث النقاش بين القوى المؤلفة لها لم يعد موجوداً كما في السابق وعادت الريبة لتسكن الجميع. سليمان فرنجية وطلال أرسلان يراعيان حزب الله. والأخير يهتم بكيفية تقليص حجم التوتر بين التيار الوطني الحر وحركة أمل. والرئيس ميشال عون يريد إنجازات كبيرة، لكنه لا يزال يحمّل الآخرين مسؤولية التعطيل. وحزب الله نفسه لا يريد الانفجار، ويقوم بدور الإطفائي في كل لحظة. لكن الحزب لن يكون قادراً على حماية الحكومة من المفاجآت التي تأتي من دون سابق إنذار. وبالتالي، فإن التحدي الأبرز أمام الحكومة اليوم، وأمام دياب شخصياً، هو في قدرته على إقناع ثلاثي التيار ــــ أمل ــــ حزب الله، بالدخول في نقاش يستهدف التفاهم على آلية إدارة عمل الحكومة في المرحلة اللاحقة. وهو نقاش لا يبدو أنه قريب المنال. لا بل إن الحوارات خارج الحكومة تجري بوتيرة أسرع، سواء تلك التي يقودها الرئيس نبيه بري لتهدئة التوترات بين حلفائه الدروز، أو تلك الجارية من دون نتيجة على جبهة فرنجية ــــ باسيل. لكن نصيب الحكومة من هذه الحوارات لا يبدو مطروحاً على الطاولة. وبالتالي، فإن الخطر على الحكومة من انفجار داخلي يوازي خطر تعرضها لضربة قوية من خارجها.
لم يعد مهمّاً التشخيص وتقدير الموقف والاتّهامات العامّة، والتحدّي بتسمية الخصوم واعتماد آليّات جديدة
على أن الفكرة التي يهرب دياب من مواجهتها تكمن في أن عليه تحديد الخصوم الحقيقيين للحكومة، سواء من خارجها أو من داخلها. وليس معروفاً إن كان قد تعلّم من درس التعيينات. ففي هذا الملف، لم يتمكن من درء مخاطر المواجهة مع التيار الوطني الحر أو حركة أمل، إلا عبر عقد صفقة معهما أمّنت لهما استمرار الإمساك بناصية التعيينات على الخلفيات الطائفية، وتركا له اختبار «لذة المحاصصة» من خلال بعض المناصب التي لن تقدم ولا تؤخّر في مسيرة إدارة الدولة. وما فعله دياب في ملف الكهرباء، مثلاً، وخضوعه الضمني لمطلب جبران باسيل ــــ ولو الشكلي ــــ بالحفاظ على حق سلعاتا في معمل ثالث، كان أكثر الإشارات خطورة. فهو، هنا، لم يراع حسابات داخل الحكومة، بل شرّع حسابات لها بعدها الطائفي لا التنموي، وكل محاولة من باسيل وجماعته لإضفاء طابع تنموي على الخطوة محاولة فاشلة للتستّر على موجة الطائفية ــــ الفدرالية التي تسود أوساط العونيين على وجه الخصوص، وتنذر بمخاطر كبيرة، وخصوصاً أن القائمين عليها لا يبدو أنهم تعلّموا دروس الماضي القريب.
الجانب الآخر من المشكلة يتعلق بالوضع العام للإدارة المالية والاقتصادية للبلاد. ومشكلة حسان دياب، هنا، هي أن توصيفه لواقع المشكلة لا يترافق مع طرح آليات مختلفة أو مناقضة لما كان سائداً. فأولوية إطاحة رياض سلامة لا تخص شخص الأخير، بل آليات عمله. وبالتالي فإن التعيينات المالية الجديدة لن تفيد في شيء ما لم يجرؤ رئيس الحكومة على طرح السؤال المركزي: ألم يحن الوقت لتعديل قانون النقد والتسليف الذي يوفر الحماية للنظام الاقتصادي والمالي العفن الذين تسبّب بكل أزمات لبنان؟
أمر أخير، يتعلق بالحسابات الخارجية. تحدّي «قانون قيصر» لا يتعلق بالقدرة على تحدي الضغوط الأميركية، بل يتعلق، أولاً وأخيراً، بأن لبنان في حال قرر عدم مواجهة هذا القانون سيكون طرفاً في مشكلة إقليمية كبيرة لا قدرة له على تحمل كلفتها. ولن يكون بمقدور أميركا ولا كل الغرب حمايته من آثارها السلبية. وبالتالي، فإن التحدّيات الكبيرة أمام حكومة دياب باتت اليوم أكثر وضوحاً: لقد انتهى زمن التشخيص وتقدير الوضع، وها نحن أمام زمن القرارات الكبيرة التي تتطلّب من دياب الاتّكال على حليف كبير يساعده على مواجهة خصومه من داخل الحكومة أو خارجها. وهذا الحليف هو الفعل الشعبي في الشارع من جهة، وصعوبة توفّر بديل منه لإدارة الحكومة.
بات على دياب الاستماع إلى غير الذين يلتقيهم هذه الأيام، والاقتناع بأن التغيير الحقيقي يشمل كل شيء، لا موقعاً أو اسماً أو وظيفة فقط… وما لا يمكن لدياب أو غيره تجاهله، هو أن فترة السماح تقارب على الانتهاء. وساعتها سيتحوّل الى مجرّد لافتة تنتظر لحظة إزالتها
مقالات متعلقة

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Monday, 11 May 2020

سعر الصرف والأحجية المعقدة إلى أين؟


تجري المناقشة اللبنانية الداخلية ومعها النقاش الخارجي لواحدة من ركائز أي بحث اقتصادي ومالي للوضع اللبناني، يمثلها التعامل مع سعر صرف الدولار بتسويق مسلّمة تتحوّل بديهية، وهي أن تثبيت السعر المنخفض عافية، وأن سعر الصرف الموحّد هدف، وأن تحرير سوق الصرف مبدأ لا حياد عنه ولو أدى لسعر مرتفع وتضخم وانهيار القدرة الشرائية في سوق مدولرة. والسير من هذه المنطلقات سيوصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن لبنان كي ينجح بتحرير كامل لسوق الصرف فعليه أن يتقبل ارتفاعاً مرعباً في سعر الدولار، يترتب عليه ارتفاع جنوني في الأسعار الإستهلاكية وتضاؤل كارثي في القدرة الشرائية وصولاً لحد المجاعة، إذ إن المبلغ المطلوب لسد الفجوة التقليدية بين مطلوبات وواردات الميزان التجاري تفوق الـ 17 مليار دولار سنوياً، ومترتباتها على سوق العرض والطلب في سوق الصرف، بسبب تراجع عائدات التحويلات المختلفة من غير التصدير، لا تقلّ عن عشرة مليارات دولار سنوياً. وهذا كان مصدر سعي مصرف لبنان منذ 2010 عندما بدأ عهد التحويلات يأفل مع تقدم زمن العقوبات من جهة، وتراجع الإقتصادات العالميّة والخليجيّة يفرض إيقاعه من جهة أخرى، فتراجعت عائدات السياحة والتحويلات من الخارج، واعتمد المصرف المركزي لجلب هذه الدولارات، على تشجيع الدولة على المزيد من الاستدانة بالعملات الصعبة، حتى صار المزيد من الدين مستحيلاً، بفعل تضخم كتلة الدين وحجم الفوائد، فصار البديل باللجوء إلى ما أسماه بالهندسات المالية لوضع اليد على دولارات القطاع المصرفي بإغراء شرائها بفائدة بلغت 100% بالليرة اللبنانية، وهي في النهاية ودائع المودعين، وقد «نجح» بتجفيفها.
الذي يجب أن يدركه اللبنانيون، والمسؤولون قبل المواطنين، هو أن الجمع بين تحرير سعر الصرف، ومعالجة الأزمات المالية والاقتصادية والمصرفية مستحيل، والانطلاق من فرضية البحث عن وصفة سحرية لتحرير السعر، والحفاظ على القدرة الشرائية وضبط الأسعار الاستهلاكية، هو جهد ووقت ضائعان، وحتى يستطيع لبنان فعل ذلك، يجب أن يضمن عودة تدفقات بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً على الأقل، عن غير طريق الاستدانة، أي من عائدات التصدير والسياحة وتحويلات الاغتراب. وهذا يعني أن الشرطين الواجبين لتوفير ظروف مناسبة لهذه العودة، هما نهاية زمن العقوبات، وعودة الانتعاش للاقتصادات العالمية والخليجية، وبانتظار ذلك على لبنان إذا أراد شعبه والمسؤولون فيه، منع التأثيرات المدمّرة لسعر الصرف على الاستهلاك والقدرة الشرائيّة تقبل فكرة التعايش المؤقت، لسنوات، مع أكثر من سعر في سوق الصرف، وعدم إعتبار ذلك نقيصة، والاستعداد لتفاوض شرس مع صندوق النقد الدولي تحت هذا العنوان.
الأهم هو رسم معالم المرحلة الانتقالية، أي السنوات الخمس التي حددتها الحكومة كمدة معقولة لخطة النهوض، بحيث تغطي الموارد المتاحة والمتوفرة من العملات الصعبة حاجات الاستهلاك الرئيسية، بأسعار صرف لا تتيح اضطراباً في أسواق الاستهلاك وتآكلاً في القدرة الشرائيّة، وهذا يستدعي تقييد حكمي لشروط الحصول على الدولار اللازم لأعمال الاستيراد الخاصة بالسلع الضرورية والاستهلاكية، مقابل سوق حرة للصرف بسعر مختلف حكماً، وأعلى حكماً، تغطى منها حاجات استهلاكية كمالية. وهنا يجب أن تنفتح عقولنا على حقيقة أن السعر المرتفع في سوق الصرف الموازية أو الحرة، سيكون فرصة للاقتصاد. فهو حافز للتصدير وعنصر تراجع في الاستيراد بسبب ارتفاع هائل لأسعار السلع المستوردة بسعر صرف مرتفع، مقارنة بالقدرة الشرائيّة للبنانيين. وهذا سيتيح خلال سنوات انتظار نهاية زمن العقوبات وانتعاش الاقتصاد العالمي والخليجي، نهضة صناعية وزراعية تغطيان الجزء الأساسي من حاجات السوق المحلية، وتزيدان الدخل بالعملات الصعبة من عائدات التصدير المتزايد، وهذه النتيجة المتوخاة مشروطة بأمرين، الأول اعتبار العملات الصعبة العائدة من التصدير محررة بنسبة 75% سلفاً لصالح المصدّرين لإعادة الترسمل بالمواد الأولية وتطوير مواردهم لمزيد من التصدير، باعتبار الـ 25% الباقية مخصصة لتأمين استيراد المشتقات النفطية كأساس لتأمين الطاقة للصناعة شرط شراء دولارها بسعر سوق التحويلات من المصدرين أي 3000 ليرة مقابل 1500 لتسعير المشتقات النفطية والكهرباء يحصلون عليه. والثاني تحرك حكومي عاجل لتحديد السلع التي ينتجها أو كان ينتجها ويمكن أن يعود لإنتاجها، لبنانيون، لتوفير الحماية الفورية لها من منافسة المستوردات، وفي المقدمة تقف صناعة الألبان والأجبان والعصائر والمياه المعبأة ومواد وأوراق النظافة، والأحذية والألبسة، ولائحة طويلة تخفف فوراً ملياري دولار من فاتورة الاستيراد.
لدى تشريح فاتورة الاستيراد التي تشكل مصدر الطلب على الدولار، سنجد توزيعاً مذهلاً يكشف الكثير من الحقائق، حيث الفاتورة النفطية في المقدمة، وفقاً لسعر النفط تتحرك بين 3 و6 مليارات دولار، وفاتورة المواد المتصلة بالصناعة قرابة ملياري دولار بين مواد أولية ومستوردات ميكانيكية، والمستوردات الغذائية قرابة 3 مليارات دولار أغلبها قابل للاستبدال محلياً، والمستوردات الطبية بمليار ونصف مليار دولار تقريباً قابلة للتخفيض إلى النصف، والمواد الاستهلاكية الممكن تصنيفها كمالية من ألبسة وعطور ومجوهرات ومشروبات وسيارات بحدود خمسة مليارات دولار سنوياً، بالقياس لفترة 2004-2010، وحيث كان العجز في الميزان التجاري يدور حول رقم 7 مليارات دولار فقط، قفز إلى 17 ملياراً خلال عشر سنوات بصورة يفسر بعضها دخول النزوح السوري كعامل جديد على الاستهلاك وتراجع التصدير إلى سورية والعراق، من جهة أخرى، بنسبة ملياري دولار استهلاك إضافي وتراجع مليار دولار تصدير، وزيادة القدرة الاستهلاكية الداخلية الناجمة عن سلسلة الرتب والرواتب، بما يعادل 3-4 مليارات دولار مقابلة، ويكفي العمل للعودة إلى حالتنا عام 2010، ليعود العجز التجاري إلى 7 مليارات، وهذا يتصل بسعر النفط، وهو الآن أقل من عام 2010، وعودة النازحين السوريين، وفتح السوقين العراقي والسوري، ومع تراجع القدرة الشرائية بفعل تراجع كبير في سعر الصرف، يمكن توقع هبوط العجز في الميزان التجاري إلى أقل من 5 مليارات دولار بالتأكيد.
كان لبنان يعوّض عجز الميزان التجاري حتى عام 2010، ويحقق فائضاً، بالاستناد إلى دخل يعادل 10 -12 مليار دولار يأتي مناصفة من السياحة وتحويلات اللبنانيين، وبقي منه فقط قرابة مليار دولار من التحويلات العائدة للبنانيين في الخارج وتراجع السياحة حتى الصفر تقريباً، وبانتظار تعافي المصدّرين يبقى فارق الأربعة مليارات الباقي كضغط على ميزان المدفوعات، لتغطية مليار دولار ستبقى لاستيراد غير الأساسيات وتراجع نوعي في تحويلات العاملات المنزليات الأجنبيات حتى الاضمحلال، وملياري دولار للمشتقات النفطية، ومليار دولار للقطاع الدوائي، ومثلها بضع مئات ملايين الدولارات لتحويلات للطلاب اللبنانيين في الخارج هي مصادر قابلة للمعالجة، عبر تفاهم نفطي مع العراق يقوم على تشغيل خط كركوك البصرة النفطي، وإخضاع استيراد الأدوية والمواد الاستهلاكية لمعادلة تتيح الإفادة من دولار منخفض، بحيث يكون بصورة تختلف عما هو قائم اليوم بتمويل مصرف لبنان لاستيراد المشتقات النفطية والأدوية والقمح، معادلة جديدة اقتصادياً تجيب ضمناً على كيفية تخفيض الفاتورة من جهة ومنع ارتفاع الأسعار من جهة موازية.
الصيغة المطلوبة هي اعتماد سعر منخفض جداً لسعر الدولار بـ 1500 ليرة لإستيراد القمح والمشتقات النفطية أو النفط، والدواء، شرط حصر أغلبها بتفاهمات دولة لدولة، واعتماد إجازة استيراد مسبقة من الوزارة المختصة للتجار تحدد الكمية والقيمة لبيعهم الدولارات اللازمة من الصرافين، مقابل تأمينها من مصرف لبنان بسعر معادل (3000 ليرة)، من ضمن تحويلات اللبنانيين وربع عائدات التصدير، أي ما يعادل ملياري دولار سنوياً، فيما سيصحح الاقتصاد الكثير من نقاط الضعف بربط استيراد المواد الباقية بسعر دولار مرتفع (5000 ليرة) وعجز اللبنانيين من تحقيق الطلب عليها وعجز الكثير منها عن منافسة الإنتاج المحليّ الذي سينمو خصوصاً في القطاعات الغذائيّة وقطاع الألبسة والأحذية، بدليل ما كان عليه في سنوات سعر دولار مرتفع في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.
تحسين التبادل التجاريّ مع سورية والعراق يحتاج إلى استبدال العبقرية اللبنانية بالعودة للعبقرية الفرنسية التي أدركت مع عهد الانتداب الحاجة لتبادل تجاري بالليرة المحلية، فجعلتها واحدة، رغم إقامة دولتين ودستورين وحكومتين وجيشين ورئيسين، لكن مع إنشاء مصرف مركزي واحد وليرة واحدة، وهو ما يمكن استبداله اليوم بتعاون حاكميات المصارف المركزية في لبنان وسورية والعراق لإصدار تسعير يومي تبادليّ للعملات الوطنية من دون المرور بالعملات الأجنبية والسماح بالتداول بالعملات الوطنية في أسواق البلدان الثلاث، كما نحتاج إلى استبدال العبقرية اللبنانية في الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية بالدولار، بالعبقرية البريطانية التي أقامت خط كركوك طرابلس وأنشات مصفاة طرابلس، بحيث يحصل لبنان على حاجاته من المشتقات النفطية لقاء تكرير ضعف حاجاته وبيعها لحساب العراق، وبيع ثلاثة أضعافها من النفط الخام لحساب العراق، ولبنان الموجود على البحر المتوسط قبالة أوروبا يوفر على العراق ثلاثة أرباع كلفة نقل النفط قياساً بعبور الناقلات من البصرة نحو هرمز فباب المندب وقناة السويس وصولاً للمتوسط، وضمن خطة سنة لتشغيل الخط والمصفاة، يمكن شراء النفط الرخيص بأسعار اليوم ووضع آلية لتقنين استهلاكه.
إن تأمين مستلزمات الاستيراد الضروري بأسعار للدولار بين حدي 1500 و3000 ليرة مشروطة بإجازات استيراد مسبقة من وزارات الاختصاص، وهي وزارة الصحة ووزارة الاقتصاد ووزارة الطاقة كل في مجالها، لن يتيح تأمين السلع الأساسية بسعر ثابت ومناسب للقدرة الشرائية للبنانيين فقط، بل سيضمن الرقابة على النوعية والتحكم بلوائح المواد والأصناف المستفيدة من هذه الميزة، والاطلاع على الأسعار الفعلية للاستيراد، وربط التجار بالحاجة لإجازة شراء الدولار المنخفض سيضمن تقيدهم بالأسعار التي يتم وضعها لبيع هذه المستوردات للمستهلك اللبناني تحت طائلة الحرمان من الإجازة التفضيلية، والاضطرار لشراء الدولار بسعر السوق الحرّة، والدخول في منافسة غير متكافئة مع منافسين يحتفظون بميزة الحصول على دولار منخفض السعر لتقيّدهم بتسعيرة الوزارات المختصة.
مقالات متعلقة
River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Saturday, 9 May 2020

لماذا الهدنة مع الأميركيين؟


نجاح حكومة مصطفى الكاظمي العراقية في نيل ثقة المجلس النيابي بها، وموافقة صندوق النقد الدولي على التفاوض مع حكومة حسان دياب لوقف الانهيار الاقتصادي في لبنان، مؤشران قويّان يرمزان الى مرحلة هدنة بين القوى الداخلية والخارجية في هذين البلدين لوقف التراجع المخيف فيهما.
لجهة القوى التي تستطيع تمرير حكومة الكاظمي بعد ستة أشهر من صراعات ومناكفات وعجز متتابع لسياسيين فشلوا في تشكيل حكومة، فهي داخلياً مجموعات الحشد الشعبي والأحزاب الموالية لرئيس المجلس النيابي الحلبوسي في الغرب العراقي وآل البرازاني الأكراد في الشمال. هؤلاء هم الذين يسيطرون على المجلس النيابي ويكملون عديده بهيمنة للحشد الشعبي لأن الدستور يمنح الشيعة نحو 60 في المئة من عدد النواب تبعاً للتوازنات السكانية.
أما القوة الثانية في الداخل العراقي فهي المرجعية الدينية العليا للشيعة التي تتدخّل كلما شعرت أن خطراً يتهدد الدولة العراقية أو الكيان السياسيّ. ولها نفوذها في مجلس النواب وبالتالي بين وزراء الحكومة، بشكل يمكن فيه اعتبارها ناقوس الخطر الذي يضرب حين يتأزم العراق.
هذا عن الجانب الداخلي، وهو جزء بسيط من الصراعات الخارجية العميقة في العراق التي بدأت منذ 1990 وتعمّقت مع الاحتلال الأميركي المتواصل لأرض الرافدين منذ 2003 وازدادت التهاباً مع نجاح الحشد الشعبي في تدمير القسم الأكبر من الإرهاب الداعشي والقاعدي والسيطرة على قسم وازن من العراق السياسي.
هناك اذاً صراع أميركي – إيراني عنيف على الاراضي العراقية يرتدي لباس احتدام في التنافس السياسي في بعض الأحيان، وقتال يتسربل بتبادل للقصف بين قواعد أميركية، ومقار داخلية متحالفة مع إيران، للإشارة فإن آخر الاعمال الأميركية كانت اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني وقائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وهما يخرجان من مطار بغداد. وردّ الإيرانيون بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق.
بذلك فإن القوى المؤثرة على السياسة العراقية هي بناها الداخلية من أحزاب ومراكز دينية وحشد وتنظيمات والاحتلال الأميركي المتواصل الى جانب نفوذ إيراني عميق سببه تحالفه مع الحشد الشعبي والعلاقات الدينية التاريخية التي تجمعه بغالبية العراقيين.
هناك أيضاً نفوذ تركي وسعودي على بعض التنظيمات العراقية في الوسط الغربي، لكنها غير مؤثرة إلا من خلال الاحتلال الأميركي.
فما الذي استجدّ بعد ستة أشهر من العجز عن تشكيل حكومة عراقية وتأزم الوضع العسكري بين إيران والأميركيين ورفع الحشد الشعبي لشعار الانسحاب الفوري للقوات الأميركية المحتلة من العراق؟
فجأة وافق الأميركيون على تمديد استجرار العراق للكهرباء الإيرانية لنحو 120 يوماً أي أربعة اشهر كاملة، كما نالتا حكومة الكاظمي ثقة واسعة وهي التي كانت تتهيأ لاعتذار رئيسها عن متابعة التشكيل للعراقيل الداخلية والخارجية.
والطريف أن برنامج حكومة الكاظمي اورد ضرورة مجابهة الصعوبات الاقتصادية والأمنية والتحضير لانتخابات مبكرة ووضع برنامج عمل لتنويع الاقتصاد العراقي.
فلم ينسَ شيئاً، إلا الاحتلال الأميركي، فتجاهله وكأن لا احتلال ولا مَن يحتلّون.
هناك أمور مثيرة للدهشة الى درجة الذعر، وهو أن معظم قوى الحشد الشعبي وافقت بدورها على هذا البرنامج.
الأمر الذي يكشف أن حكومة الكاظمي هي تسوية سببها التعادل في موازين القوى بين حشد شعبي قوي جداً بتركيبة أحزابه، ومدعوم من إيران وبين احتلال أميركي لديه مؤيدوه في وسط العراق وغربه عند جماعة الحلبوسي ومن كردستان العراق، أما أسرار هذا التوازن فهي موجودة بتلويح الأكراد وبعض أحزاب الوسط بالانفصال وتشكيل اقاليم مستقلة في كل مرة يحاول فيها الحشد الشعبي دفع الأميركيين الى الانسحاب وهذه واحدة من مصادر القوة الأميركية في أرض السواد وهي واحدة من مصادر عجز الحشد الشعبي في أرض السواد.
لذلك، فإن تراجع أسعار النفط وخفض إنتاجه وما تسبّبوا به من انهيار اقتصادي بالاستفادة من الكورونا والتلويح بتقسيم العراق الى كيانات سنية وكردية وشيعية دفعت باتجاه هدنة مؤقتة لتمرير هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من الأضرار.
لجهة لبنان فموضوعه مشابه، خصوصاً لناحية انهياره الاقتصادي المريع والانقسام الحاد بين قواه السياسية التي تتمحور بين الولاء للأميركيين والسعوديين وبين التحالف مع إيران وسورية.
ولأن الأميركيّين لا يمكنهم ترك بلد بأهمية لبنان يلعب فيه حزب الله رأس حربة المقاومة في الإقليم، والسماح لفوضى لن تؤدي إلا إلى خسارة الحلفاء اللبنانيين لأميركا وتراجع دورهم السياسي، فارتأت الدولة الأميركيّة العميقة أن التعامل مع حكومة حسان دياب من خلال الصندوق والبنك الدوليين والمؤتمرات الأوروبيّة هي لفرصة لتتوازن فيها مع القوة البنيوية العمودية لحزب الله في لبنان، وذلك في محاولة للتساوي معه في المرحلة الحالية وعرقلته في آجال لاحقة.
هكذا هو دائماً حال الدول البراجماتية النفعية التي تعطي كل مرحلة ما تستحق، والهدنة الأميركية في لبنان هي محصلة جهود بذلها حزب الله في قتال «إسرائيل» والإرهاب والدفاع عن الدولة السورية ما جعله مرهوب الجانب وقوياً الى درجة أن مهادنته في لبنان هي انتصار للطرف الآخر، لذلك فإن الأميركيين هم الذين نجحوا في إرجاء انسحابهم من العراق ويحاولون الإمساك بلبنان من خلال الصندوق الدولي، أما حزب الله فيعرف من جهته أن الأميركيين لا يوزعون هبات على أعدائهم، بل يهادنون بشكل مؤقت في محاولة لتكوين ظروف سياسية أفضل، لهم بالطبع.
والحزب بدوره يهادن من بعد ملحوظ ساهراً على حماية حكومة قد تكون هي الفرصة النموذجية للدفاع عن لبنان في وجه فوضى قد تؤدي الى تدمير الدولة وتفجير الكيان السياسي.





نجاح حكومة مصطفى الكاظمي العراقية في نيل ثقة المجلس النيابي بها، وموافقة صندوق النقد الدولي على التفاوض مع حكومة حسان دياب لوقف الانهيار الاقتصادي في لبنان، مؤشران قويّان يرمزان الى مرحلة هدنة بين القوى الداخلية والخارجية في هذين البلدين لوقف التراجع المخيف فيهما.
لجهة القوى التي تستطيع تمرير حكومة الكاظمي بعد ستة أشهر من صراعات ومناكفات وعجز متتابع لسياسيين فشلوا في تشكيل حكومة، فهي داخلياً مجموعات الحشد الشعبي والأحزاب الموالية لرئيس المجلس النيابي الحلبوسي في الغرب العراقي وآل البرازاني الأكراد في الشمال. هؤلاء هم الذين يسيطرون على المجلس النيابي ويكملون عديده بهيمنة للحشد الشعبي لأن الدستور يمنح الشيعة نحو 60 في المئة من عدد النواب تبعاً للتوازنات السكانية.
أما القوة الثانية في الداخل العراقي فهي المرجعية الدينية العليا للشيعة التي تتدخّل كلما شعرت أن خطراً يتهدد الدولة العراقية أو الكيان السياسيّ. ولها نفوذها في مجلس النواب وبالتالي بين وزراء الحكومة، بشكل يمكن فيه اعتبارها ناقوس الخطر الذي يضرب حين يتأزم العراق.
هذا عن الجانب الداخلي، وهو جزء بسيط من الصراعات الخارجية العميقة في العراق التي بدأت منذ 1990 وتعمّقت مع الاحتلال الأميركي المتواصل لأرض الرافدين منذ 2003 وازدادت التهاباً مع نجاح الحشد الشعبي في تدمير القسم الأكبر من الإرهاب الداعشي والقاعدي والسيطرة على قسم وازن من العراق السياسي.
هناك اذاً صراع أميركي – إيراني عنيف على الاراضي العراقية يرتدي لباس احتدام في التنافس السياسي في بعض الأحيان، وقتال يتسربل بتبادل للقصف بين قواعد أميركية، ومقار داخلية متحالفة مع إيران، للإشارة فإن آخر الاعمال الأميركية كانت اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني وقائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وهما يخرجان من مطار بغداد. وردّ الإيرانيون بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق.
بذلك فإن القوى المؤثرة على السياسة العراقية هي بناها الداخلية من أحزاب ومراكز دينية وحشد وتنظيمات والاحتلال الأميركي المتواصل الى جانب نفوذ إيراني عميق سببه تحالفه مع الحشد الشعبي والعلاقات الدينية التاريخية التي تجمعه بغالبية العراقيين.
هناك أيضاً نفوذ تركي وسعودي على بعض التنظيمات العراقية في الوسط الغربي، لكنها غير مؤثرة إلا من خلال الاحتلال الأميركي.
فما الذي استجدّ بعد ستة أشهر من العجز عن تشكيل حكومة عراقية وتأزم الوضع العسكري بين إيران والأميركيين ورفع الحشد الشعبي لشعار الانسحاب الفوري للقوات الأميركية المحتلة من العراق؟
فجأة وافق الأميركيون على تمديد استجرار العراق للكهرباء الإيرانية لنحو 120 يوماً أي أربعة اشهر كاملة، كما نالتا حكومة الكاظمي ثقة واسعة وهي التي كانت تتهيأ لاعتذار رئيسها عن متابعة التشكيل للعراقيل الداخلية والخارجية.
والطريف أن برنامج حكومة الكاظمي اورد ضرورة مجابهة الصعوبات الاقتصادية والأمنية والتحضير لانتخابات مبكرة ووضع برنامج عمل لتنويع الاقتصاد العراقي.
فلم ينسَ شيئاً، إلا الاحتلال الأميركي، فتجاهله وكأن لا احتلال ولا مَن يحتلّون.
هناك أمور مثيرة للدهشة الى درجة الذعر، وهو أن معظم قوى الحشد الشعبي وافقت بدورها على هذا البرنامج.
الأمر الذي يكشف أن حكومة الكاظمي هي تسوية سببها التعادل في موازين القوى بين حشد شعبي قوي جداً بتركيبة أحزابه، ومدعوم من إيران وبين احتلال أميركي لديه مؤيدوه في وسط العراق وغربه عند جماعة الحلبوسي ومن كردستان العراق، أما أسرار هذا التوازن فهي موجودة بتلويح الأكراد وبعض أحزاب الوسط بالانفصال وتشكيل اقاليم مستقلة في كل مرة يحاول فيها الحشد الشعبي دفع الأميركيين الى الانسحاب وهذه واحدة من مصادر القوة الأميركية في أرض السواد وهي واحدة من مصادر عجز الحشد الشعبي في أرض السواد.
لذلك، فإن تراجع أسعار النفط وخفض إنتاجه وما تسبّبوا به من انهيار اقتصادي بالاستفادة من الكورونا والتلويح بتقسيم العراق الى كيانات سنية وكردية وشيعية دفعت باتجاه هدنة مؤقتة لتمرير هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من الأضرار.
لجهة لبنان فموضوعه مشابه، خصوصاً لناحية انهياره الاقتصادي المريع والانقسام الحاد بين قواه السياسية التي تتمحور بين الولاء للأميركيين والسعوديين وبين التحالف مع إيران وسورية.
ولأن الأميركيّين لا يمكنهم ترك بلد بأهمية لبنان يلعب فيه حزب الله رأس حربة المقاومة في الإقليم، والسماح لفوضى لن تؤدي إلا إلى خسارة الحلفاء اللبنانيين لأميركا وتراجع دورهم السياسي، فارتأت الدولة الأميركيّة العميقة أن التعامل مع حكومة حسان دياب من خلال الصندوق والبنك الدوليين والمؤتمرات الأوروبيّة هي لفرصة لتتوازن فيها مع القوة البنيوية العمودية لحزب الله في لبنان، وذلك في محاولة للتساوي معه في المرحلة الحالية وعرقلته في آجال لاحقة.
هكذا هو دائماً حال الدول البراجماتية النفعية التي تعطي كل مرحلة ما تستحق، والهدنة الأميركية في لبنان هي محصلة جهود بذلها حزب الله في قتال «إسرائيل» والإرهاب والدفاع عن الدولة السورية ما جعله مرهوب الجانب وقوياً الى درجة أن مهادنته في لبنان هي انتصار للطرف الآخر، لذلك فإن الأميركيين هم الذين نجحوا في إرجاء انسحابهم من العراق ويحاولون الإمساك بلبنان من خلال الصندوق الدولي، أما حزب الله فيعرف من جهته أن الأميركيين لا يوزعون هبات على أعدائهم، بل يهادنون بشكل مؤقت في محاولة لتكوين ظروف سياسية أفضل، لهم بالطبع.
والحزب بدوره يهادن من بعد ملحوظ ساهراً على حماية حكومة قد تكون هي الفرصة النموذجية للدفاع عن لبنان في وجه فوضى قد تؤدي الى تدمير الدولة وتفجير الكيان السياسي.



River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Wednesday, 6 May 2020

نصرالله : لا مناخ تصادميّاً في البلد



كل القضايا المهمة التي تناولها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، سواء في ملف الأزمة الاقتصادية المالية وخطة الحكومة، أو في مواجهة الغلاء، أو في توضيحاته حول قطاعَي المصارف والصرافين، ما كانت لتكون، لو لم يكن لدى السيد نصرالله، ما وصفه بغياب مناخ تصادميّ يضع أولوية إسقاط الحكومة على جدول أعمال معارضيها، ما يتيح وفقاً لكلام السيد منح الفرصة إن لم يكن التعاون ممكناً، ولو كان مرغوباً ومطلوباً، ولولا هذا التقدير لما بلغ الأمر بالسيد نصرالله أن يعرض استعداد الحزب للعب دور المسهّل والميسّر لعلاقات التوتر بين الأطراف والزعامات، نافياً بين سطور كلامه، اتهام الرئيس سعد الحريري للحزب بدعم رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل في وجه الحريري. ووفقاً للسيد فإن الدول قد لا تملك المناخ ولا الإمكانات لتساعد لبنان، إن أرادت، وهي حكماً لا تملك مثلها لتصديعه وتفخيخه ثم تفجيره إن أرادت. والأهم أن القول بأن الجميع منشغل بتداعيات كورونا وانخفاض أسعار النفط، هو الأصح، وليس ما أوحت به بعض المواقف التي تزامنت مع جولات السفيرة الأميركية، وبنيت عليها استنتاجات وتحليلات تتحدث عن دنو ساعة التصادم الكبير، الدولي الإقليمي المحلي، مع حماية الغالبية النيابية وفي طليعتها حزب الله، لحكومة الرئيس حسان دياب.
بعد شهور من المناخات التصادمية المحيطة بمناخات الإقليم، في ضوء المستجدات التي أعقبت اغتيال القائدين قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس، والتي جاءت ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة في قلبها، وجاء الاستقطاب السياسي الداخلي على خلفيتها، من موقع التأثر والتأثير المتبادلين، جاء وباء كورونا وما خلفه وراءه من تداعيات أصابت العالم بأسره، خصوصاً المركزين الدولي والإقليمي المناوئين للمقاومة، من واشنطن إلى الرياض، وبينهما تل أبيب، وصار السؤال بداية، إلى أي مدى تتواصل مكابرة الرئيس الأميركي في الإقرار بأن شيئاً قد تغير، ثم بعد الإقرار والاعتراف بحجم المأزق، صار السؤال عن حدود التغيير الذي سيُصيب السياسات الأميركية في المنطقة، وفي قلبها كيفية تعامل حلفاء واشنطن والرياض مع الحكومة التي سارع بعضهم لوصفها بحكومة حزب الله، لجعلها تحت مجهر التصويب، وجاءت جولات السفيرة الأميركية، وتصريحات معاون وزير الخارجية الأميركيّة ديفيد شنكر لتزيد الغموض والأسئلة، وجاءت المعارك الداخلية حول سياسات حاكم مصرف لبنان وطرحت في سياقها فرضية إقالته. ووسط هذا الصخب الكبير، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية، رغم بقائها بين حدود تسجيل الحضور وتفادي المواجهة، وخرجت التحليلات والفرضيات تتحدث عن أمر عمليات لإنشاء جبهة معارضة تتولى إسقاط الحكومة والعهد، وصولاً لاستهداف المقاومة عبرهما، وأخذ البعض يتحدث عن السيناريوات الافتراضية لحرب إسرائيلية مقبلة، تستظل بالجوع والفوضى، وتستثمر على اصطفافات جديدة تضمّ مجموعات من الحراك جرى توضيبها أميركياً، وثلاثي تيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي. وها هو السيد نصرالله يقول بالوضوح الكامل، لا تقلقوا ليس هناك مناخ من هذا النوع، رغم كل الصخب، أما التوترات القائمة فهي نابعة من اعتبارات لبنانية تقليدية، كالنفوذ والسلطة، وليس بينها ما يتصل بما يسمّى هوية النظام وشكل النظام.
من هنا تستمد دعوات السيد نصرالله للحوار ولمدّ الجسور مصداقيتها. ومن هنا يصير لدعوة مناقشة الخطة المالية والاقتصادية للحكومة الباقية حتى إشعار آخر بعيد، معناها. ومن هنا يصير لدعوة الحكومة للتصرف بخلفية أنها باقية لتواجه استحقاقات التفويض الممنوح لها لمواجهة الأزمة ضمن ضوابط معلومة، أهمها النقاش عند كل محطة واستحقاق، بما في ذلك، خصوصاً في هذا النقاش، حاصل التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ولأن التفويض ليس مطلقاً والخطة ليست نهائية، فباب الحوار مع الكتل النيابية والقوى السياسية يجب أن يبقى مفتوحا بإيجابية، وحاصل التوافق هو الأهم للبنان، لأن خطر التجاذب والاستقطاب والتصعيد سيطيح بفرص الإنقاذ المحفوفة بالصعوبات والمخاطر والتي تفوق طاقة الحكومات، ولذلك يصير لدعوة الحكومة لتحمل مسؤولياتها في مواجهة الغلاء ودعوتها لمعالجة سعر الصرف، مكان واقعي، لأن لا معارك كبرى في السياسة وراء الباب. فليس هناك أمر عمليات خارجي داخلي لإطاحة الحكومة يجد حزب الله نفسه معنياً بالإعداد لمواجهته، ولا هناك بالمقابل قرار لدى الحكومة يؤيده حزب الله ويحميه لإطاحة الخصوم سواء من بوابة مكافحة الفساد أو من باب التعيينات. ولأن الأمر كذلك، فكل فرضيات الحديث عن انكسار العلاقة بين حزب الله وحركة أمل نابعة من هاتين الفرضيتين، فرضية هجوم الخصوم أو فرضية هجوم الحزب وحلفائه، فإن نفيهما يكفي لنفي النتيجة.
هكذا يفسر لقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالنائب السابق وليد جنبلاط ما قاله السيد نصرالله، بمثل ما يفسّر كلام السيد موقع اللقاء.


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Tuesday, 5 May 2020

«القرار الألماني بحق حزب الله جزء من الحرب الأميركية الإسرائيلية على المقاومة» نصرالله:

الحكومة اللبنانية مسؤولة عن اللبنانيين وما يتعرضون له في ألمانيا سنشارك في لقاء بعبدا وندعو إلى أوسع مشاركة فيه لا ننقل الدولار إلى إيران وسورية بل نجلبه إلى لبنان




اعتبر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن القرار الألماني بحق الحزب «هو جزء من الحرب الأميركية الإسرائيلية على المقاومة في المنطقة، لأنها ضد الإحتلال الصهيوني»، مؤكداً أن «حزب الله ليس له أي تنظيمات في أي بلد أوروبي أو في أي من دول العالم»، ورأى أن «الخطة الاقتصادية والمالية للحكومة بحاجة إلى تحصين وطني لتحقيق إنجاز قريباً». وأوضح «أننا لسنا ضد مبدأ طلب لبنان مساعدة من أي جهة في العالم لكن لا نقبل تسليم رقابنا لصندوق النقد الدولي».
جاء ذلك في كلمة متلفزة للسيد نصرالله أمس، اعتبر فيها أن القرار الألماني بحق حزب الله كان متوقعاً وهو عبارة عن خضوع للإدارة الأميركية، بل هو جزء من الحرب الأميركية «الإسرائيلية» على المقاومة في المنطقة، لأنها ضد الإحتلال الصهيوني.
وأشار إلى أن «الالمان لم يقدموا أي دليل على وجود أنشطة في المانيا»، مؤكداً أن «القرار هو خضوع لأميركا وارضاء لاسرائيل، إضافة إلى ما يقال عن أن له خلفيات تنافس سياسي في الانتخابات الألمانية». ودان «إقدام الالمان على مداهمة بعض المساجد، والتضييق على بعض الأفراد»، واصفاً إياها بـ»المتوحشة».
وقال «لم يكن هناك أي داع لهذه الممارسات المتوحشة سوى تقديم أوراق الاعتماد للأميركيين»، ولفت إلى أنّ «حزب الله ليس له أي تنظيمات في أي بلد أوروبي أو في أي من دول العالم»، مضيفاً «اللبنانيون في ألمانيا أو في أي بلد هم من المؤيدين لمقاومة الإحتلال وهؤلاء ليس لهم أي علاقة تنظيمية مع حزب الله، وقد يكون لهم نشاطات دينية أو غيرها ضمن ما يقره القانون وهذا أمر آخر»، ولفت إلى أنه «منذ سنوات طويلة أدركنا أنه يجب ألاّ نضع أي لبناني في الخارج بعلاقة معنا كي لا نعرضه للخطر».
وقال «لا داعي للبنانيين في ألمانيا أن يقلقوا لأنهم لم يخالفوا القانون ويجب مواجهة هذه الإجراءات بالسبل القانونية»، معتبراً أن «الحكومة اللبنانية وفي مقدمها وزارة الخارجية، مسؤولة عن اللبنانيين وما يتعرضون له».
الخطة الإصلاحية نقطة للحكومة
من جهة ثانية، رأى السيد نصر الله أن «الخطة الإصلاحية للحكومة ورغم الإنشغالات الحالية تشكل نقطة تُحسب لصالحها»، مشيراً إلى أن «الخطة الاقتصادية والمالية للحكومة خطوة أولى على الطريق»، وأضاف «الخطة بحاجة إلى تحصين وطني وهذا يمكّن الحكومة ومؤسسات الدولة من تحقيق إنجاز قريباّ».
وقال «سنشارك في اللقاء الذي دعا اليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وندعو إلى أوسع مشاركة فيه»، لافتاً إلى أن «لا مانع من نقاش الخطة بعد إقرارها والحكومة منفتحة على ذلك»، ودعا إلى «الابتعاد عن الكمائن السياسية من أجل مصلحة البلد».
وأوضح السيد نصر الله «أننا لسنا ضد مبدأ طلب لبنان مساعدة من أي جهة في العالم لكن لا نقبل تسليم رقابنا لصندوق النقد الدولي». وأضاف «لم يتم إعطاء تفويض لأحد بطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي ويجب مراجعة الشروط والخطوات المطلوبة»، مؤكداً أن «الحكومة لا تسلم البلد إلى صندوق النقد الدولي وهناك نقاش حول الخطوات والشروط».
لا نريد السيطرة على المصارف
وشدد على «رفض الاتهامات التي وجهت إلى حزب الله بالنسبة للقطاع المصرفي»، مؤكداً أنها «تهدف إلى التعمية». وقال «نحن لا نريد لا تدمير ولا إسقاط ولا السيطرة ولا الإنتقام من القطاع المصرفي ولم نقترب منه أبداً»، ورأى أن «القطاع المصرفي بالغ في الإجراءات بحقنا بالنسبة للمطالب الأميركية ووصل إلى حد العدوان علينا».
وقال السيد نصر الله إن «تصرف البنوك المذل مع المودعين هو من أسباب رفضنا لسياسة هذا القطاع»، لافتاً إلى أنه «في ظل الأزمة المالية والنقدية الحادة التي نواجهها فإن القطاع المصرفي لم يساعد الحكومة في مواجهتها».
وأشار إلى أن «القطاع المصرفي هو من أكبر المستفيدين من السياسات النقدية المتبعة في لبنان منذ سنوات» موضحاً أن «هناك أفكاراً أخرى مطروحة إذا لم يبادر القطاع المصرفي إلى مساعدة الحكومة في مواجهة الأزمة الحالية»، وأكد أن «الكلام عن أن حزب الله يريد السيطرة على حاكمية مصرف لبنان، مسخرة».
لا نغطي أحداً
وعن سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، قال السيد نصر الله «ليس لدى حزب الله أي نشاط صيرفة ولم نكلف أي مؤسسة أو فرد في الحزب ممارسة هذا النشاط»، ودعا الصرافين «إلى الالتزام بالقانون وإلى أن لا يكونوا جزءاً من لعبة لرفع سعر الدولار على حساب مجتمعهم ولا نغطي أحداً»، وأضاف «لا نقوم بجمع الدولار ولا نقوم بنقله لا إلى إيران ولا إلى سورية، ونحن نجلب الدولار إلى البلد ولا نسحبه».
وشدّد السيد نصر الله على أن «غلاء الأسعار والاحتكار مسؤولية الحكومة ووزارة الاقصاد وحدها غير قادرة على تحمل هذا العبء»، موضحاً أن «هناك تجاراً يمارسون الاحتكار والجشع ما يؤدي إلى غلاء الأسعار بالاضافة إلى فقد المواد وعدم ضبط الأسعار»، وأكد أنه «يجب أن تضع الحكومة خطة طوارئ لمواجهة غلاء الأسعار»، لافتاً إلى أنه «يمكن استدعاء موظفين لمساعدة وزارة الاقتصاد في ضبط الأسعار والاستعانة بالبلديات والتطوع ونحن جاهزون، ولا حجة لدى الحكومة ألاّ تكون جدية بضبط الأسعار».
وشدد على أن «موضوع الأسعار بات لا يطاق ولا يحتمل، والمترفون قد لا يحسون بأزمة غلاء الأسعار لكن كل البلد يصرخ منها ويجب أن يكون لها الأولوية المطلقة في عمل الحكومة والوزراء والمسؤولين»، وأضاف «حق الناس علينا أن يعرفوا ماذا فعلنا بملف الفساد وهذا سيُعرض بمؤتمر صحفي قريب»، وتمنى على «الكتل النيباية والقوى السياسية والناس إعطاء الوقت للحكومة ومهلة الـ100 يوم لا تكفي».
وأكد أن «العلاقة بين حزب الله وحركة أمل متينة وممتازة ونحن على تواصل دائم»، وقال «هناك أطراف داخلية وخارجية تسعى إلى ايجاد وسائل للشقاق بين حركة أمل وحزب الله وهذا الأمر لن يحصل»، معتبراً أن «على جمهور حركة أمل وحزب الله تقبّل أن الإختلاف في بعض القضايا وارد وعليه الحذر من أيادي الفتنة».
وقال «لو وافقنا على قانون زراعة القنب الهندي لكانت الصحف قالت حزب الله يشرّع الحشيشة في لبنان»، مشيراً إلى أن البلد يحتاج الى الهدوء والتعاون، وأضاف «نحن حريصون ألاّ يكون هناك توتر في البلد وندعو للهدوء في العلاقات الثنائية وإذا من كان من الممكن أن نساعد في أي موضوع فنحن جاهزون. لدينا الكثير لانجازه في الداخل وذلك يحتاج إلى أيادي ممدودة وعقول مفتوحة».

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Sayyed Nasrallah: German Decision to Blacklist Hezbollah Clear Submission to US, Cooperation Needed to Save Lebanon



Sayyed Nasrallah: German Decision to Blacklist Hezbollah Clear Submission to US, Cooperation Needed to Save Lebanon

Beirut- Hezbollah Secretary General His Eminence Sayyed Hassan Nasrallah delivered on Monday a televised speech in which he addressed the latest developments.
Denouncing Germany’s decision to blacklist Hezbollah, Sayyed Nasrallah viewed that “this step was expected. It’s a submission to the US administration.”
“The German decision targets the resistance in the region and it is part of the US- “Israeli” war on the resistance,” he stressed, pointing out that “Germany provided no evidence of Hezbollah activities.”
 According to His Eminence, “This confirms that blacklisting Hezbollah is a political decision to please “Israel” and the US.”
“We in Hezbollah are honest when we say that we have no organization in Germany, France, or any other country,” the Resistance Leader added, condemning “The German raids on some mosques and Islamic associations.”
To the Lebanese people living in Germany, Sayyed Nasrallah said: “Don’t feel worried because you are abiding by the law and the Lebanese government is concerned with protecting its citizens.”
He further urged the German government to clarify its position because the citizens were attacked without any evidence.
“All these brutal German practices are unjustified,” His Eminence confirmed, underscoring that “Hezbollah has stopped establishing networks in foreign countries since years ago.”
Moreover, he urged The Lebanese government to protect its citizens in Germany and other countries. “It must take measures and have a stance in this aspect,” he emphasized.
Hezbollah Secretary General declared that “What happened does not affect our will. Rather, it increases it to continue our resistance to the occupation.”
On the internal front, Sayyed Nasrallah announced Hezbollah’s participation in Baabda meeting called to by Lebanese President Michel Aoun.
Regardless of Hezbollah’s evaluation, His Eminence hailed “The approval of the economic plan amid the coronavirus crisis as a positive move.”
In parallel, he revealed that “Major discussions had taken place prior to the approval of the plan.”
“The government’s plan needs national immunization,” he stated, calling for further discussion of the conditions and the program with the International Monetary Fund [IMF]. “The issue must be dealt with great responsibility and caution. So far, there is nothing settled.”
In addition, Sayyed Nasrallah declared that “Hezbollah isn’t against requesting assistance from any side in the world, except for Lebanon’s enemies, who are known. We’re not against asking help from the IMF but surrendering to it is rejected and the government must hold talks to know the conditions.”
On another financial issue, Hezbollah Secretary General unveiled that the party told the banks that its understands their commitment to the American regulations, but not to be American more than the Americans. “The banking sector has exaggerated in its procedures against Hezbollah. Some have been Americans more than the Americans themselves.”
Denying media allegations, Sayyed Nasrallah underscored that “We don’t want to destroy, control, topple or take revenge on the banking sector and there are attempts to distort Hezbollah’s stance on banks.”
“Defending people aggrieved by the banking sector is not an attack on the banking sector,” His Eminence added, noting that “The banking sector has not made any step to help the country during this period.”
As he described “The Lebanese banking sector” as “one of the biggest beneficiaries of monetary policies since 1993,” Sayyed Nasrallah underscored that “The humiliating behavior of banks with depositors is one of the reasons we announced our rejection to the banking policy.”
“Hezbollah does not want to control the central bank’s governorship,” he reiterated, hinting that “There are other ideas if the banking sector does not take the initiative to assist the Lebanese government in facing the current crisis.”
In addition, Sayyed Nasrallah stressed that “Hezbollah has nothing to do with the money exchange sector. We’re clients in this sector.”
He called upon “all money-changers to adhere to the law, not to violate it in any way, and to abide by Sharia controls.”
However, His Eminence said that “There might be money changers who are supporters of Hezbollah.”
“We do not take a dollar from the country and export it abroad, and whoever accuses us with this must double check his claims,” Sayyed Nasrallah mentioned, stating that “We are bringing dollar to Lebanon and our positive role is preventing the dollar from going crazy.”
Meanwhile, he confirmed that “The burden is bigger than the Lebanese Economy Ministry as to the hike in prices. The entire government must intervene and devise an emergency plan.”
Urging the Lebanese government to confront monopolization and raid warehouses, His Eminence slammed traders who are practicing monopoly and greed, which leads to expensive prices in addition to the loss of materials and lack of price controls
“The high prices should be a priority in the work of the Lebanese government,” he added, noting that “Hezbollah is ready to provide thousands of volunteers to the Lebanese Economy Ministry to help in monitoring the prices of commodities.”
Moreover, Sayyed Nasrallah unveiled that “Hezbollah MP Hassan Fadlallah will hold a press conference in the coming days to tackle the corruption file.
On another level, His Eminence highlighted that “There are internal and external parties seeking to find rift between Amal movement and Hezbollah, and this will not happen.”
“Our relation with Amal Movement is excellent. The public of both Hezbollah and the Amal movement shouldn’t be dragged into strife, especially on social media. The public of Hezbollah and Amal movement must accept that differences in some issues and they must beware of the hands seeking discord,” he confirmed.
Sayyed Nasrallah also urged “The Lebanese political sides to give the Lebanese government time and one cannot ask it for miracles in light of the difficulties and circumstances.”
“Hezbollah is keen on the interest of Lebanon and is ready to help and bridge the points of view between Lebanese regions or sides experiencing any tension,” he said, noting that “Lebanon needs calm and cooperation to get out of the economic and financial crisis.”
Related Videos



Related Articles

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

خطة الحكومة المالية الاقتصادية: ما لها وما عليها


مقدّمة حول المنهجيّة والمحاور
تثير الخطة التي أقرّتها الحكومة اللبنانية النقاش على الأصعدة السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية والاستراتيجية، ولا تأتي نتائج تقييم الاستقطابات التي تنشأ عنها في اتجاه واحد ما يجعل الموقف منها أشد تعقيداً، مما لو كانت تعبر عن وجهة منسجمة وعن سياق واحد في حركتها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والنقدية والاستراتيجية. فالواضح أن الخطة على الصعيد السياسي اللبناني ترجّح كفة الحكومة على معارضيها من القيادات السياسية التي توالت على الحكم ورسم خططه السياسية والاقتصادية والمالية لعقود مضت وأسست للانهيار، فهي تسقط الشعار المحوري لوصفتهم للحل الذي يواجهون الحكومة من ورائه، وهو الدعوة للتوجّه لصندوق النقد الدولي. وجاءت الخطة مفاجئة لهم في هذه الوجهة بعد اعتقاد طويل لديهم بأن حزب الله، على الأقل، لن يوافق على خطة هذه وجهتها، وليس مجرد التوجه للصندوق لعرض الخطة، بل اعتبار وجهة الخطة هي توفير شروط العمل مع صندوق النقد الدولي، بينما على الصعيد الاقتصادي فالخطة غامضة رغم تضمنها الكثير من العناوين التي تتحدث عن وجهات اقتصادية محددة، تركز على الطابع الإنتاجي، لأن الخطة كما هو واضح من بنيتها ومن سياق ولادتها التراكمي، تم بناؤها في خدمة وجهة محددة، هي مخاطبة صندوق النقد الدولي، وجرى إلحاق بنود اقتصادية بها جاءت انتقائيّة وغامضة، ويتوقف السير بها على حاصل المواجهات التي افتتحتها، وترتبط فعاليتها وحجم تظهيرها على تداعيات التفاوض مع صندوق النقد الدولي والصيغة النهائية للبيئة المالية والضرائبية والقطاعية والحمائية التي ستنتج عن حاصل هذا التفاوض، بينما على الصعيد المالي فقد عبرت الخطة عن توجهات واضحة في السعي لتوزيع الخسائر المباشرة للمرحلة السابقة بصيغة وضعت الأعباء الأساسية على الذين راكموا أموالهم بالاستفادة غير المشروعة من المال العام، سواء عبر أقنية الفساد السياسي أو المصرفي من خلال الصفقات المشبوهة أو من خلال الفوائد المرتفعة والهندسات المالية، ومنحت حيزاً مهماً لاستعادة الأموال المنهوبة والأموال المهرّبة، بينما بقيت الخسائر غير المباشرة وبعض من الخسائر المباشرة تصيب الفئات ذات الدخل المحدود سواء عبر ما تضمنته من سعي لتثبيت سعر للصرف يعادل ضعف السعر الرسمي لصرف الدولار، وصولاً لتحرير سعر الصرف، مع تثبيت الرواتب في القطاعين العام والخاص، واستمرار الغموض حول مستقبل تصرف المودعين بودائعهم، وجملة من الإجراءات التي تطال هذه الفئات في الصناديق التقاعدية وسواها، وهذا ما جعل مضمونها الاجتماعي تفقيرياً للبنانيين، رغم عدالة الإفقار، الذي سيصيب أصحاب الودائع المتوسطة والصغيرة، كما سيصيب أصحاب الرواتب، والقدرة الشرائية لليرة اللبنانية، ويرفع نسبة المستفيدين من صناديق المعونة الاجتماعية، أما على الصعيد النقدي ففي الخطة من جهة مسعى واضح لتحجيم الدور المتغوّل لمصرف لبنان، ومن جهة سعي مرتبك في التعامل مع سعر الصرف وكيفية التفاعل مع كل سيناريو مفترض، لتحرير تدريجي في سوق الصرف، ويبقى أن الوجهة الاستراتيجية للخطة هي إبقاء لبنان خط اشتباك حول مفهوم السيادة مع تسجيل نقاط تراجع واضحة على هذا الصعيد، لأن الخطة من جهة جعلت نجاحها وفشلها مرتبطين بالتفاهم مع صندوق النقد الدولي، وما يعنيه من الوقوع تحت الوصاية المالية الخارجية مهما قمنا بتلطيف المصطلحات، ومن جهة مقابلة حددت ثوابت سيادية ستكون موضوع تفاوض مع صندوق النقد، ولا نعلم الحصيلة لجهة القدرة على الثبات في رفض المساس بالثروات السيادية التي تحدثت الخطة عن تجميعها في صندوق سيادي، ليس معلوماً كيف ستنتهي وجهته في نهاية الطريق، عندما يصير القبول بالتعاون من طرف الصندوق الدولي مشروطاً بوجهة تقتضي التنازل عن هذه الثروات وبيع أصولها، تحت شعار الخصخصة الشاملة التي يتمسك بها الصندوق، كمثل الكثير من القضايا التي يتوقف عليها سيادياً مستقبل الحديث النظري عن تطوير قطاعات الإنتاج، سواء دعم القمح ولاحقاً العودة للشمندر السكري وحماية المنتجات الوطنية وتخفيض الاعتماد على المستوردات، وهي قضايا منهجية معاكسة لوجهة تعامل الصندوق معها.
الاقتصاد أولاً ثم المال والنقد
ترتكز الخطة على منهجية تقلب الأولويات، فجعلت الميدان المالي مسرحاً لعملها، وجاء الاقتصاد ليشكل بنوداً تجميلية، ومقتطفات انتقائية تكميلية، بينما لا حاجة للشرح بأن الاقتصاد يشكل الأساس الذي تبنى عليه الخطط المالية، فالخطة لم تجب على السؤال الرئيسي الذي تبنى عليه كل محاولات النهوض أو الترميم بعد الأزمات في كل دول العالم، أسوة بما فعلته بعثة إيرفيد في مطلع الستينيات في عهد الرئيس فؤاد شهاب وبعثة باكتيل في مطلع التسعينيات ورسم السياسات التي بقيت حتى اليوم بعدما أطلقها الرئيس رفيق الحريري، والسؤال هو ما هي الوظيفة الاستراتيجية اقتصادياً للبنان في الاقتصادين الإقليمي والدولي، وفقاً للمعطيات القائمة، بعد تشريح عناصر الخلل التي أصابت الوظيفة السابقة والتي نشأت الأزمة وتفاقمت بفعلها في ظل النظام الاقتصادي والمالي الذي كان قائماً وقادراً على تخطي أزماته من داخله قبلها، ومن خلال هذا البحث العلمي إعادة ترتيب القطاعات والأولويات، فأن يكون اقتصاد البلد قائماً على تخديم الاقتصاد الخليجي ليس نقيصة، عندما يكون ذلك كفيلاً بخلق فرص العمل وتأمين تدفق الأموال، وتحقيق التوازن المطلوب في ميزان المدفوعات، ولو استدعى ذلك تضخماً في القطاعات الريعية على حساب القطاعات الإنتاجية، وجعل المصارف أكبر من الدولة والاقتصاد، وطبيعي عندها أن تكون السياسة الضرائبية للدولة في خدمة هذه الوظيفة، ومثلها السياسات الجمركية، وطبيعي أيضاً أن ترتبط بهذه الوظيفة حركة الأوزان بين القطاعات وأهميتها من جهة، وبين الكتل السياسية وأدوارها وأحجامها من جهة موازية، والخطة لم تقارب هذه المسألة لا من قريب ولا من بعيد. فلبنان الذي لعب هذا الدور اقتصادياً قبل الحرب الأهلية ودخل المرحلة الانفجارية اقتصادياً واجتماعياً في ظل تداعيات خسارة هذا الدور مع نمو كل مفاصل قطاع الخدمات الخليجي المنافس والموازي، مصرفياً وتجارياً، أعاد تعويم هذا الدور بعد الحرب وعلى مدى عقدين حتى عام 2010، بقوة تبادل ريعيّ بين تعويم قطاع الخدمات والمصارف والعقارات في لبنان، مقابل دور سياسيّ وأمنيّ للخليج، بات مهماً إقليمياً ودولياً بنظر أصحابه ويستحق هذا الاستثمار المنخفض السعر مقارنة بعائداته، للمخاطر التي كشفتها الحرب لانفلات الوضع في لبنان من جهة، ولصعود المقاومة كقوة إقليمية يجب العمل على احتواء حركتها من جهة موازية. والواضح أن خلاصات التجارب والتطورات الإقليمية قد أدت إلى إعادة النظر بهذا التوظيف، بعدما صارت كلفته مرتفعة بفعل تراكم الديون وارتفاع الفوائد ومحدودية النتائج، وظهور نظريات العقوبات والعزل كبديل دولي وإقليمي لفرض السياسات بدلاً من سياسات الانخراط والتسويات والاحتواء، وبالتوازي ضمور القدرة الخليجية على التمويل بفعل الأزمات المتلاحقة لسوق النفط والاقتصادات العالمية، وفي عالم ما بعد كورونا سيكون الأمر بحاجة لمزيد من التدقيق حول جدوى إعادة الاستثمار على إحياء الدور التبادليّ ذاته، ولو تم تخفيض الكلفة وتحجيم التضخم في أحجام قطاعات كالمصارف والعقارات، ومعها تخفيض مستوى المعيشة من بوابة تحرير سعر الصرف، وعرض قطاعات اقتصادية سيادية في السوق، وإذا كانت هذه هي الوجهة المضمرة للخطة فيمكن مناقشتها من هذه الزاوية، ومقاربة درجات الجدوى والمخاطر. وهو أفضل من أن تكون الخطة قد تجاهلت هذا الأمر الحيوي والتأسيسي لأي خطة، وما يجب أن يجيب عليه واضعو الخطة هنا هو: هل يقومون بترشيق أرقام الدولة والاقتصاد لعرض تبادلي جديد مع الاقتصاد الخليجي والدولي، من بوابة الرهان على أن الاستقرار في لبنان حاجة دولية وإقليمية، ما يستدعي تمويل لبنان لمنع الفوضى، ويعتقدون أن المشكلة هي في الكلفة المرتفعة بسبب تراكمات العقدين الماضيين، حتى عام 2010، عندما بدأ ميزان المدفوعات يدخل الاختلال السلبي التراكمي؟ وفي هذه الحالة يجب التحدّث في السياسة عن ماهية شروط هذا الدور، سواء بنظر الخارج الغربي والخليجي، أو بنظر القوى المعنيّة في الداخل، وفي طليعتها المقاومة، واللافت أن الأمر الوحيد الذي يمكن أن يشكل نقطة تقاطع مصلحية مع الغرب يبدأ من مستقبل وجود النازحين السوريين، وقد غاب كلياً عن الخطة إلا لجهة تظهير أرقام كلفة النزوح السوري على الاقتصاد. وهو ما كان يستدعي جعل التركيز على طلب تمويل موازٍ لهذه الكلفة وفتح الباب لتعاون دولي إقليمي مع لبنان لتسهيل عودة النازحين وتمويل هذه العودة، بما يتضمنه ذلك من تمويل وتغطية لتعاون حكومي لبنان سوري، خصوصاً أن الأبعاد السياسية الأخرى ذات المترتبات الأمنية لا تبدو مواضيع تفاوضية تنتج التسويات، خصوصاً ما يتصل بدور المقاومة، على الأقل في ظل التوازنات والسياسات الراهنة لكل من دول الخليج والدول الغربية.
إذا لم تكن الخطة قد أجابت افتراضياً على سؤال الوظيفة الاستراتيجية للاقتصاد اللبناني في الإقليم والعالم، بالسعي لتجديد الدور التبادلي المالي السياسي، بكلفة أقل، فهي مجرد ورقة مالية بنيات اقتصادية طيبة بلا خطة، تتكرّر فيها كلمات الريعي والإنتاجي بعيداً عن أي تصور عملي مدرك، لنتائج تغييب الإجابة عن سؤال الدور والوظيفة، المفترضين للاقتصاد اللبناني في الإقليم والمنطقة، وإذا كان الدور الريعي السابق قد تراجع كثيراً وظروف إعادة إنتاجه معقدة ومؤجلة، والتفكير جدّي برسم دور مختلف، فقد وقع أصحاب الخطة بهندسة مالية عكسية لهندسات مصرف لبنان التراكمية، لكن لحساب الدور الريعي نفسه، فغاب كلياً عن الخطة أي توصيف لدور اقتصادي جديد يلعبه لبنان في المنطقة والعالم ترتكز عليه الخطة وأولوياتها وتخدم تحقيقه أرقامها، وربما لو حضر هذا الفهم بالحجم والقوة اللازمين، لتغيرت معه الكثير من معالم الخطة وتوجهاتها، ولن يكون صعباً وضع اليد على عناوينه الرئيسية بمجرد مقاربة الجغرافيا الاقتصادية، التي تضع لبنان في قلب حضن سوري عراقي مفتوح على خطط إعادة الإعمار ومتطلباتها، وخطط نهوض اقتصادي يملك لبنان الكثير لملاقاتها، وساحتا العراق وسورية تملكان مقدرات نفطية وإنتاجية تتيح تبادلاً عالي القدرة على تحقيق فوائض وسد احتياجات، يكفي التذكير من بينها بأنبوب النفط الذي يربط كركوك العراقية بطرابلس اللبنانية عبر الأراضي السورية، وبخط عصري لسكك الحديد الافتراضي بين مرفأ بيروت وبغداد، ونتائج اعتماد تسعير ثنائي للعملات الوطنية بين المصارف المركزية وما سينتج عنه من تبادل هائل لا يؤثر على ميزان المدفوعات، ولم يكن غياب هذه الرؤية التي يرتبط بها كل حديث عن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، مجرد صدفة أو نتيجة عدم انتباه.
في السياق المنهجي ذاته لأولوية الاقتصاد والبحث بمحاوره وعناوينه، يرد خلل الميزان التجاري كعامل ضغط على ميزان المدفوعات. وقد تحدثت عنه الخطة كثابت يفسر مصادر الضغط على العملة الوطنية، لكنها تجنبت الخوض في الأهم، وهو كيفية خفض تأثيراته السلبية وتحويلها إلى إيجابية. فتخفيض فاتورة الاستيراد يبدأ من الفاتورة النفطية المتضخمة باعتماد اتفاقات تبادل النفط الخام بالمشتقات المكررة، عبر الاستثمار على موقع لبنان الجغرافي على البحر المتوسط، وهو ما أدركه العالم مبكراً منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما أنشأ خط التابلاين الآتي من السعودية وخط الآي بي سي الآتي من العراق، وإنشاء مصفاتي الزهراني وطرابلس في نهاية كل منهما، وفي فاتورة الاستيراد المتضخمة، ما كانت تنتجه الصناعة اللبنانية من ملابس ومواد غذائيّة واستهلاكية، فلبنان يستهلك من الألبان والأجبان والعصائر التي كان يصدرها في الماضي مستوردات من الخليج تزيد عن مئتي مليون دولار سنوياً، وكل الصناعات الوطنية تقريباً تمّ تدميرها خلال العقود الماضية بفعل السياسات الريعية كأولوية، ولا تعيد إحياءها إلا سياسات جمركية وتسهيلات ائتمانية. وبالمناسبة يلفت كل خبير اقتصاديّ كيف لم يلتفت من وضعوا الخطة إلى أن الدور الذي لعبه لبنان واقتصاده بالنسبة للخليج في الستينيات والسبعينيات، ولاحقاً في عقدي ما بعد الطائف، هو الدور الواعد ذاته للبنان تجاه سورية والعراق، بما في ذلك كسوق للمنتجات والخدمات والسياحة والمصارف والعقارات والمستشفيات والجامعات وسواها.
تضخيم الخسائر أم إعادة الرسملة
ثمة أكثر من وجهة علمية لقراءة أرقام المالية اللبنانية، سواء مالية الدولة، أو مالية مصرف لبنان ومالية المصارف، وفي بعضها المتطرف، والخطة تنتمي لهذا البعض، تكون عملية احتساب الخسائر، هي الغالبة، فيصير إسقاط الخسائر بمبادلتها محاسبياً بالموجودات، فتبدأ الخطة بموجودات المصارف وهي راسمالها وعقاراتها، ثم موجودات مصرف لبنان، وهي رأسماله وسنداته وصولاً للذهب في النهاية حتى لو تجاهلته الخطة، وانتهاء بالدولة التي تنشئ لها الخطة صندوقاً سيادياً يضم موجوداتها، بقي الغموض يلف مصيرها فيه. ويبقى السؤال عن موجودات المودعين الذين تعرض عليهم الخطة أسهماً في ملكيات المصارف التي تقارب حال الإفلاس بديلاً عن ودائع لا ينتمي أغلب أصحابها إلى نادي الذين استفادوا بشكل غير مشروع من المال العام، ومن طرائف الخطة هنا احتساب الخسائر بالليرة اللبنانية فتصل إلى أكثر من مئتي تريليون، واحتساب المطلوب بالدولار، ليظهر أنه عشرة مليارات فقط، وعدا طرافة وحدتي الاحتساب ليظهر تريليون مقابل مليار يصير السؤال، إذا صح الرقم الأول فكيف للرقم الثاني أن يصح والعكس صحيح، وهذا ما تهربت الخطة من شرحه اعترافاً ضمنياً بهذا التناقض، بينما وفقاً لتطرف معاكس نؤمن بصحته، يمكن لحساب الخسائر أن يصل إلى أقل من ربع الرقم المحتسب للخسائر، إذا بدأ بالعكس، أي من ترسمل الدولة بتثبيت عدم الاستعداد لوضع ملكيتها لأصولها وموجوداتها قيد البحث والتفاوض، والانتقال إلى تحويل استثمار حقوق الدولة بما فيها تلك غير المستثمرة إلى شركات رأسمالية تمنح بموجب قوانين امتيازات استثمار لا تمسّ الملكية، لمدد زمنية تتراوح بين 10 سنوات و25 سنة و49 سنة، وتقييم أسعار أسهمها وفقاً لمداخيل محققة في المعدل الوسطي لدخل السنوات العشر الماضية، بالنسبة لشركات الحقوق المستثمرة كالاتصالات والمرافئ والمطار وشركتي الميدل إيست والكازينو، وتصويب وضع شركة الكهرباء قبل إعادة تقييمها، وتقييم القيمة التأجيريّة لشركة استثمار الأملاك العقارية للدولة بالأسعار الرائجة، كعائد سنوي محقّق يفترض أن يعادل 10% من رأسمالها إذا منحت حق الاستثمار لـ 49 سنة، والتفاوض مع شركاء استراتيجيين في كل من هذه الشركات لتولي إدارتها لقاء نسبة مئوية من عائداتها، بعد تقييمها من شركات متخصصة، ومن ثم مبادلة نسبة من الأسهم تعادل نسبة من ديون مصرف لبنان على الدولة، بعد شطب ما يجب شطبه من هذه الديون الدفترية التضخمية، ليتولى مصرف لبنان مبادلة موازية للأسهم لقاء السندات وودائع المصارف، مع هذه المصارف بعد إعادة تقييم للفوائد المستحقة والمدفوعة لعشر سنوات مضت على الأقل وبعد إعادة الأموال المهرّبة وضمها، لتقوم المصارف بدورها بوضع هذه الأسهم التي حصلت عليها وموجوداتها العقارية ورأسمالها وأسهمها في سلة موازية أمام كبار المودعين لمبادلة نسبة من ودائعهم، بعد حسم ما يلحق بهم من فوائد، على أن تجري كامل هذه العملية بإشراف لجنة مختصة مالية قضائية، خلال مدة سنة، تنتهي بترسمل ماليّ للقطاع المصرفي، وبتحرير الودائع، وتنتهي معها عملية التحقيق والتدقيق في الحسابات المشكوك بعلاقتها بالفساد والحصول على المال العام بطريقة غير مشروعة على يد لجنة موازية، فنصل إلى معادلات مالية لقيمة الخسائر الصافية فيها لا تتعدى 20 مليار دولار، يمكن استيعابها في عملية إعادة الترسمل خلال سنوات قليلة، يتم توزيعها على عملية هيكلة الديون المتبقية بسندات جديدة، يتحمل وجودها الاقتصاد، وتتحملها المالية العامة، بالتوازي مع هيكلة الديون الخارجية بأسعار شراء جديدة وأسعار فوائد جديدة، ربما يكون قيام المصارف التجارية بها هو الأنسب بدلاً من الدولة. ومن المفيد لفت النظر إلى أن الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي يبدأ بدفع المصارف للانتقال من الاستثمار في مداخيل ريعية مع الدولة إلى الاستثمار الإنتاجي في قطاعاتها. وهذا معنى التشركة القائمة على حفظ ملكية الدولة لأصولها وموجوداتها، ونقل الضوابط المصرفية إلى إدارة هذه الاستثمارات.
إن مالية الدولة المحملة بديون لا تتعدّى 20 مليار دولار بفائدة لا تتعدّى وسطياً الـ 5% بين سندات الليرة والدولار، ستكون قادرة على سداد خدمة دين تبدأ استحقاقاتها بعد خمس سنوات، قيمتها لا تتعدّى مليار دولار سنوياً، يكون الاقتصاد خلالها قد انطلق في محاوره الجديدة، وتكون فاتورة الاستيراد قد تقلصت إلى النصف، وفاتورة النفط قد تمّ تدويرها في عملية إنتاجية ترتبط بالنفط الخام والمصافي، وتكون مستوردات العراق وحدها تكفلت بمضاعفة عائدات مرفأي بيروت وطرابلس، وخطوط سكك الحديد بين لبنان وسورية والعراق قد تكفّلت بتحقيق ديناميكية تسويقية تبادلية للبضائع والخدمات من خارج التأثير على ميزان المدفوعات سلباً، وغير هذا الكثير الكثير ما يمكن قوله ويجب قوله.
أولويّة الرواتب وفرص العمل والصحة اجتماعيّاً
على الصعيد الاجتماعيّ ركزت الخطة على عاملين: واحد إيجابي وهو الابتعاد عن التفكير بزيادات ضرائبية على الطبقات الفقيرة، وواحد سلبي وهو استبدال التفكير بمصير الرواتب وفرص العمل بالتركيز على صناديق المساعدات، خصوصاً أن السياسة النقدية التي تجاهر بالسعي لتحرير سعر الصرف، رغم تأجيل الأمر في القرار التنفيذي، ستتكفل بزيادة نسبة البطالة وتآكل القدرة الشرائية، ما يجعل الغائب الأكبر عن الأرقام الكثيرة التي وردت في الخطة، هو الإجابة عن سؤال حول نسبة البطالة المتوقعة للسنوات الخمس للخطة بمؤشر قياس مرافق لما تضمنته من مؤشرات موازية، ومثله مؤشر لمتوسط الدخل وقدرته الشرائية بالأسعار الجارية مقارنة بخط الفقر. وقد تفادت الخطة بغير وجه حق الحاجة لتصحيح تدريجي للأجور سنوياً على الأقل بنسبة 25% لخمس سنوات ستكون حصيلته تعويض طويل الأجل لانخفاض فوري في القدرة الشرائية في السنة الأولى بـ 100%، وهذا ما يؤكد الطابع المالي الطاغي على الخطة، وافتقارها لمنهج اجتماعي يقف في خلفية تفكير واضعيها، يعتبر أن الأصل في كل خطة هو المواطن اللبناني، وليس النجاح في تقديم عمل محاسبي فقط، فتلك مهمة المدقق المالي بعد أن ترسم الحكومة خطتها المبنية على استهداف رئيسي هو الإنسان. ومعلوم أن البعد الاجتماعي للخطط الاقتصادية يرتسم بمعادلات ومؤشرات، أولها نسبة البطالة وثانيها مستوى الدخل والقدرة الشرائية وثالثها الضمانات وفي مقدمتها الصحة، خصوصاً أن تجربة الحكومة أظهرت أهمية القطاع الحكومي الاستشفائي مقارنة بالقطاع الخاص في مواجهة كورونا، كما أظهرت حجم التضخم المفتعل في الإنفاق الصحيّ وما يرتبه على الدولة، عبر فوضى القطاع الخاص وفساد بعضه الكثير سواء في سوق الدواء أوالاستشفاء.
ديناميكيّة الخطة مؤشر إيجابيّ
تمتاز الخطة بديناميكيّة ستنجم عن إطلاقها، تمنحها الحق بطلب فرصة، فهي ستفتح مواجهة بموازين قوى جديدة مع القوى السياسية المعارضة التي تشكل المسؤول الرئيسيّ عن بلوغ لبنان مرحلة الانهيار، وتتعهّد بفتح ملفات الفساد، وستفتح مواجهة واضحة مع المصارف التي تتحمل مسؤولية كبرى في تفضيل الجشع الريعي على المسؤولية المهنية عن الودائع وعناصر أمان استثماراتها، وتضع مصرف لبنان وصندوق النقد الدولي أمام اختبارات، وتتيح استكشاف حجم التمسك الدولي والإقليمي بالاستقرار اللبناني، ومن خلال ذلك تظهير حجم الاستعداد لتمويل هذا الاستقرار وبأي شروط. وهنا سيكون لحجم التمويل المعروض ونوعية الشروط قيمة أساسية اختبارية، لكن سيبقى موضوع الصندوق السياديّ لموجودات الدولة موضوع معركة كبرى، ستظهر خلاله نيات وتوجهات مكوّنات الحكومة في التعامل مع هذه القضية السيادية المركزية. وهذا يدعو لفتح العين من موقع القبول بمنح الفرصة للحكومة وخطتها لاختبار الفرص والخيارات، ورسم التوازنات السياسية والمالية داخلياً وخارجياً، لكن على قاعدة الحذر والتحسب الدائمين، والاستعداد لجعل البعد السيادي لملكية الدولة لأصولها الخط الأحمر الذي يجب أن تسقط عنده أي إيجابية واستعداد تجاه التعامل مع صندوق النقد الدولي، سواء داخل الحكومة أو في مجلس النواب أو في الشارع.

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!