Showing posts with label Corrupt Religious Elite in Lebanon. Show all posts
Showing posts with label Corrupt Religious Elite in Lebanon. Show all posts

Wednesday, 9 December 2020

محاربة الفساد في لبنان…هل هي مستحيلة؟

العميد د. أمين محمد حطيط

تكاد لا تسمع مسؤولاً في لبنان رسمياً كان أم حزبياً أو شعبياً إلا وينادي بالحرب على الفساد، ويطالب باجتثاثه وبملاحقة الفاسدين وتطهير الدولة والمجتمع منهم. صرخات ونداءات ملأت أركان لبنان ولكن شيئاً منها لم يتحقق وأمراً واحداً منها لم ينفذ.

فقد أطلق العماد ميشال عون في بداية دخوله الى المجلس النيابي ومع اشتراكه في الحكومة قبل 14 عاماً، الصرخة ووضع كتاباً لمحاربة الفساد أسماه “الإبراء المستحيل” وهو يقصد أنّ الأموال التي نهبت من الدولة والتي يستحيل تبرئة ذمة السارقين منها وتجب محاكمتهم واستعادة الأموال المنهوبة منهم، ولهذا أضاف العماد عون مصطلح “لبنان ليس فقيراً أو مفلساً بل منهوب” وأمواله منهوبة. ورغم كلّ هذا الحراك لم يصغ أحد ولم يتحرّك المعنيّون في الدولة وعلى كلّ الصعد من أجل مكافحة الإرهاب.

وفي العام 2018 خاض حزب الله معركته الانتخابية النيابية تحت شعارين مركزيين محاربة الفساد وحماية المقاومة، وعيّن بعد الانتخابات نائباً من نوابه أناط به مسؤولية ملف محاربة الفساد وتجميع الوثائق ووضعها بتصرّف السلطة المختصة للسير قدُماً بالمهمة، وبالفعل قام النائب بما عليه ووصل الى كمّ هائل من الوثائق التي تشهد على هدر المال وسرقته ونهبه ووضعها بتصرّف السلطات المختصة، أيّ القضاء، وانتظر الجميع النتائج ولكن بقيت المسيرة بلا ثمر شأنها شأن “الإبراء المستحيل”.

وعندما كان تحرك سياسي او قضائي او إداري خجول لملاحقة هذا او ذاك ممن كانت رائحة سرقاتهم تزكم الأنوف حتى ولو كان أصحابها أصيبوا بفيروس كورونا العادم لحاسة الشمّ، خرج رؤساء الطوائف بخطوطهم الحمر وألبستهم البيضاء أو السوداء أو الحمراء وحذّروا من المسّ بـ”شرف الطائفة” متناسين أو متجاهلين أنّ المال المنهوب ليس مال الطائفة أصلاً، وانّ الطائفة لم تكن هي المستفيدة مما سُرق، ولم يدخل من المنهوب قرش في جيب فقير من الطائفة، لا بل أنّ السرقات زادت من أعباء معيشة الفقراء من كلّ الطوائف بما في ذلك فقراء الطائفة ذاتها.

وتعقد الحال أيضاً بظهور الدعم للفساد والفاسدين من أمراء الطوائف السياسيين “القيّمين” على شؤون الدولة، فعندما حاولت الحكومة قبل استقالتها إقالة بعض الموظفين من متوَلّي شأن مرفق عام نظراً للكارثة التي أوقعوا لبنان وشعبه فيها، رأينا كيف احتشد الجمع مدافعاً عن هذا وذاك، وفشلت مساعي الإقالة والتصحيح، وتعاظم شأن المشكو منه حتى أضحى أكبر من الدولة وأهمّ من مجلس النواب وفوق القانون يضع القواعد القانونية التي يشاء، يعمل بشيء منها على هواه ويتخطى القسم الأكبر منها كما يريد، ويطيح بحقوق الناس وعينه جامدة لا يرفّ لها جفن لأنه مطمئن للحماية المعقدة من الداخل حماية رئيس الطائفة ومعه السياسيون المتجذّرون في السلطة، وحماية من الخارج الذي يرى فيه الأداة الملائمة لتنفيذ سياسة الهيمنة والقبض على رقاب الناس ولقمة عيشهم.

أما القضاء وهو السلطة الدستورية المعنية والمنوط بها إدانة المرتكب ومعاقبته وتبرئة الشريف وحمايته في سمعته وماله ورغم تلقيه الإخبارات الهائلة والوثائق والملفات الضخمة، فإنه لم يظهر تحركاً كافياً لطمأنة الناس وتصرّف بشكل ظهر فيه في أكثر من موقع وحالة متهيّباً من التصدي للمأساة ما جعله يتلقى ويضع اليد على الملفات من دون أن يتفاعل أو يفعل أو يتصرف وفقاً لصلاحياته، استنكاف يأتي إما لضغط سياسي أو لخوف ذاتيّ أو لقصور أو… المهمّ أنه لم يشفَ غليل المطالبين بملاحقة الفاسدين لا بل خيّب ظنّ الكثيرين من المعوّلين عليه خاصة أولئك الذين يرون فيه الطريق الإجباري الوحيد لمحاربة الفساد.

وقبل أن أختم هذا العرض لا يفوتني أن أذكر مسرحيات التحقيق المالي الجنائي في مصرف لبنان، وهو بحقّ المدخل الطبيعي لمعرفة تشعّبات هدر المال العام لكون مصرف لبنان يقبض على عقدة الطرق الرئيسية التي تمرّ فيها حركة الأموال العامة والخاصة، ويمكن في أيام قليلة لو صدقت النيات وتمّ التعاون، يمكن الوصول الى نتائج واضحة حول ذلك، لكن محترفي نهب المال العام مارسوا احترافهم ضدّ هذا المسار وبدل ان يسهّلوا التحقيق الجنائي في مصرف لبنان أصرّوا على ربط ذلك بتحقيق جنائي عام يبدأ بقرش المختار وينتهي بمصرف لبنان، عمل لا نعتقد أنّ جهة مهما عظم شأنها بإمكانها القيام به خاصة بعد أن أصرّ المتذاكون على عبارة “التوازي” و “بالموازاة” عبارة تعني ببساطة أن لا تحقيق مالياً جنائياً في لبنان، ومَن يعِش يرَ…

هذا على الصعيد الداخلي، أما الأدهى من كل ما تقدّم فهو الوضع على الصعيد الخارجي وانتقال ملف الفساد الى يد الخارج واتخاذه مدخلاً للتدخل في لبنان، وانقلب أداة ضغط على سياسيّي لبنان ووضعت المعادلة الرهيبة “الإذعان أو العقوبات” حيث إنّ المسؤول ينهب وأميركا تهدّده بالفساد وتلزمه بالانصياع لها او تشهر سيف العقوبات بوجهه. وهنا يضطر المسؤول لحماية المال المنهوب من الدولة أن يفرط بحقوق وطنية وسيادية لترضى أميركا وتمتنع مؤقتاً عن معاقبته وتتحوّل الأموال المنهوبة إلى ورقة ابتزاز ويتضرّر لبنان وشعب لبنان من فساد المسؤول مرتين؛ الأولى، عندما نهب المال العام وعطل مرفقاً او مصلحة عامة، والثانية عندما تنازل عن السيادة وفرّط بالحقوق الوطنية لحماية ما نهب. أما الأبشع من ذلك فتجده في فتح الباب أمام الملاحقة الشاملة والانتقائية عبر تهديد البعض بلائحة العقوبات على فساد لم يرتكبوه أو لا دليل على ارتكابه يكون ذلك في سياق الابتزاز والضغط أيضاً. نقول هذا طبعاً مع رفضنا المطلق للتصرف الكيدي الأميركي، فأميركا ليست صاحبة صلاحية لتدين وتعاقب مسؤولاً لبنانياً مهما كانت ارتكاباته، وللقضاء والدولة اللبنانية وحدها الحق في ذلك هذا إذا تمسّكنا بالسيادة، ولكن وللأسف نجد أنّ النظرية شيء والواقع شيء آخر وهو الذي رغم رفضنا له لخروجه على القانون يستمرّ قائماً.

هذا غيض من فيض مآسي الفساد في لبنان، حيث أدّى الى تعطيل الدولة وإفلاسها وإسقاطها وتضييع حقوق المواطنين في أموالهم ثم فتح لبنان أمام التدخل الخارجي فانتهكت السيادة وقيدت الإرادات وتحوّل القسم الأكبر من المسؤولين إلى أدوات تنفيذية مسيّرة بالأمرة عن بُعد بيد الخارج عامة وأميركا خاصة، وبات الفساد مرضاً أشدّ خطراً على لبنان من كلّ ما عداه بما في ذلك الاحتلال الأجنبي.

على ضوء ما تقدّم ولأننا لا نثق بكلّ الآليات والسلوكيات المعتمدة حالياً لمحاربة الفساد خاصة أنها جُرّبت وتأكد فشلها أو عجزها أو عدم نجاعتها لأكثر من سبب واعتبار، فإننا نرى انه لا مناص من تغيير الأسلوب والوسائل لمحاربة الفساد، تغيير نراه في اعتماد ما يلي:

1

ـ إعادة تكوين السلطة على أساس قانون انتخابيّ وطنيّ عادل يأتي الى الحكم بمن يريده الشعب حقيقة وتكون الانتخابات أول حساب شعبي للفاسدين
2

ـ إنشاء قضاء استثنائي خاص لمحاربة الفساد يسمّى “قضاء النزاهة” ويكون مستقلاً قائماً بذاته الى جانب القضاء العدلي بفرعية المدني والجزائي والقضاء الإداري والقضاء المالي والقضاء العسكري إلخ… ويكون هذا القضاء من طبيعة مركبة مدنية وجزائية وإدارية وتكون العقوبات التي ينطق بها كذلك من هذه الطبيعة المركبة.

3

ـ تطوير قانون الإثراء غير المشروع الذي هو السيف الرئيسيّ الذي يستعمله “قضاء النزاهة” بحيث يتمّ التشدّد في التدابير التالية
ـ تحرك النيابة العامة في قضاء النزاهة في كلّ مرة يشتبه فيها بمرتكب، شرط أن تكون هناك أسباب جدية للملاحقة
ـ إسقاط الحصانة أيّاً كان نوعها عن أيّ ملاحَق أمام قضاء النزاهة من رتبة وزير الى رتبة حاجب شاملاً كلّ من تولى مسؤولية في وظيفة عامة
ـ كفّ يد الملاحَق من لحظة البدء بملاحقته وحتى صدور الحكم بحقه
ـ سقوط السرية المصرفية عن أيّ ملاحَق امام قضاء النزاهة مهما كان موقعه
ـ تجميد أموال الملاحَق أمام قضاء النزاهة إلا ما لزم منها لمعيشته مع عائلته
ـ التزام السرعة من دون التسرّع في المحاكمة، بحيث لا يتخطى بتّ الملف السنة الواحدة من تاريخ البدء بالملاحقة من قبل النيابة العامة او هيئة التشريع والقضايا لدى وزارة العدل.

أستاذ جامعيّ – باحث استراتيجيّ


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Monday, 2 November 2020

الانتداب المالي أقصر الطرق للارتهان السياسيّ اللبنانيّ!

د. وفيق إبراهيم

النظام السياسي للبناني مرتهن دائماً للخارج السياسي الدولي الإقليمي الذي يُغطيه ويرعاه، الا أن نجاح حزب الله في طرد الاسرائيلي والارهاب في لبنان ومعظم سورية، ادى الى ولادة ظروف داخلية لتحالفه مع التيار الوطني الحر.

لقد أنتج هذا التحالف استقراراً لبنانياً اجتماعياً وسياسياً أجهض مشاريع الفتن المذهبية والطائفية… لكن الغطاء الخارجي للقوى السياسيّة اللبنانية، حماها في مشاريع السطو على الاقتصاد البناني وإفلاس البلاد.

وتمكنت من توحيد الاقتصاد اللبناني لأنها استغلت الصراع بين ثلاثة مشاريع اقليمية، الاول هو المشروع الاميركي الذي ابتدأ بغزو افغانستان والمشرق منذ 2001 لإعادة إنتاج شرق اوسط جديد. والثاني هو المشروع الاسلاماوي ذهب نحو بناء خلافة اسلامية مزعومة بالقتل والذبح والتسعير الطائفي والعرقي واقصى درجات الارهاب.

اما المشروع الثالث فهو «المقاوم» الذي جابه الاميركيين والارهاب وقوى يمنية عراقية سورية لبنانية مرتبطة بهم مسدداً ضربات متواصلة لهذه القوى أدت الى منع الاستفراد الاميركي مع قواه المحلية ببلدان المنطقة. الا ان لبنان بسبب طائفية نظامه المغطاة أيضاً من الطبقة الدينية المتمثلة بالمفتين والكرادلة وشيوخ العقل والمطارين، تمكنت من استغلال الصراع بين المشاريع المذكورة للاستمرار في سطوها على كامل الاقتصاد اللبناني والادارة والدين والتعليم والقضاء والجيش وسط انهماك المقاومين بالتصدي للعدوين الأكثر خطورة، «اسرائيل» والارهاب والغطاء الاميركي السميك.

هذا ما ادى الى الانهيار الاقتصادي الدراماتيكي في لبنان، وعجز الدولة عن إعادة ترميم بناها الدستورية، واستمرارها في تبني أسلوب التحاصص الحكومي وكأن شيئاً لم يكن.

هذا النظام يعرف أنه لا يزال حاجة أميركية، ويدرك ايضاً انه ليس جزءاً من الاستهدافات الأميركية في الشر، بقدر ما يشكل حليفاً أساسياً لحركتها في لبنان والإقليم إذا كان ذلك ممكناً.

بذلك يتبدّى مشهد حقيقي، قد يراه بعض المحللين صعب التصديق، وهو نجاح المقاومة في الحماية الوطنية والسياسية للمنطقة، مقابل نجاح القوى المحلية التقليدية في تنفيذ أكبر عملية فساد في التاريخ، ورسوخها في مواقفها الدستورية.

هنا تفتق الابتكار الغربي عن خطة جديدة للسيطرة على لبنان، يجري العمل على تنفيذها باسلوب متدحرج.

المؤشرات الاولى لهذا المخطط هو الدفع نحو فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية طائفيّة تهدف الى تشديد العزلة على الجناح اللبناني المقاوم، تريد هذه السياسة إفهام المواطن اللبناني أنه جائع بسبب حزب الله الذي يضفي صورة غير مستقرة على الوضع الداخلي. ويمنع هيئات النقد الدولية من دون تسليف لبنان ما يحتاجه وهذا يدفع نحو المزيد من الانقسامات الداخلية والتصدع المذهبي والطائفي.

بالمقابل، يقوم الإعلام الغربي والداخلي الموالي له بتسريب معلومات من الصناديق الدولية يرد فيها أن مؤشر «سيدر» جاهز لتقديم ديون للبنان مقدارها اثنا عشر مليار دولار وصندوق النفقد الدولي خمسة عشر مليارات وبين مليار وخمسة مليارات من البنك الدولي. لكن دون الحصول على هذه الأموال، ضرورة اشراف هذه المؤسسات المالية الدولية على النظام الاقتصادي اللبناني لمدة خمس سنوات على الأقل، بمواكبة هذه الارقام المغرية لبلد مفلس كلبنان تصل أوامر اميركية بالبريد الدبلوماسي السريع ان الحكومة المرتقبة يجب ان لا تضم وزراء من حزب الله… هذا يعني باللغة الصريحة ان اسماء الوزراء الجدد يجب أن تنال مسبقاً موافقة السفارة الأميركية.

هذا المشروع الاميركي الجديد هو اذا مخطط لانتداب على لبنان لخمس سنوات متواصلة قابلة للتجديد عبر الهيمنة الاقتصادية او الفوضى…

اما مهامها الفعلية، فهي التوقيع على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، وفتح ملف سلاح حزب الله، باعتبار أن اسباب وجوده لم تعد اساسية، لان ابواب المفاوضات على الحدود البرية أصبحت مفتوحة مع الكيان المحتل… وهذا يشمل بالطبع إيلاء شركة شيفرون الاميركية ومثيلاتها حقوق التنقيب في آبار الغاز اللبنانية بالتعاون مع الطبقة السياسية اللبنانية التي نهبت البلاد في الثلاثين سنة الماضية.

أليست هذه من فئة الحروب الاميركية الجديدة عبر استعمال السلاح الاقتصادي للإمساك بسياسات الدول.

لبنان اذاً أمام إرهاب اميركي غربي كبير فهل يستسلم له ام يجد وسيلة لإجهاضه؟

إن ما يحبط المشروع الخارجي المستهدف للبنان، هو اتفاق القوى السياسية اللبنانية على مسألتين: الاولى ان آبار الغاز والنفط اللبنانية هي حصراً لوقف الانهيار الاقتصادي من دون ربطها بشروط سياسية او تركها بجشع القوى السياسية الداخلية.. وهذا يتطلب إعلاناً وطنياً من الرئاسات الثلاث للدولة بتحريم أي دور لأي سياسي لبناني او من يمثله في موضوعها… وهذا يتطلب تشكيل لجنة وطنية عليا نزيهة وتدير نفسها من دون تعليمات من قوى النظام السياسي، وتعمل على المكشوف في التظهير الإعلامي المباشر للناتج وطرق إنفاقه على اولويات وطنية. وفقط من دون الغرق في لعبة توازنات الطوائف التي يتبنى فينا بعد انها توازنات في السطو على المال العام بين أحزاب الطوائف.

إن الاتفاق بين القوى السياسية يردع المشروع الاميركي ويدفعه الى تراجع كبير..

اما لجهة حزب الله فيجب الإقرار انه سلاح داخلي واقليمي يتصدى لـ«اسرائيل» والارهاب.. بمعنى ان لا امكانية لسحبه الا بعد انتهاء إرهاب يؤكد الأميركيون والأوروبيون على استمرار وجوده.

اما السبب الآخر فيتعلق بالاحتلال الاسرائيلي لأراض لبنانية وسورية واسعة. وهذا بمفرده كافٍ لدعم حزب الله في مواصلة تصديه للعدو الاسرائيلي، وإعادة تسليح الجيش اللبناني بأسلحة موازية للأخطار المحيطة بلبنان والتي تتجاوز بكل تأكيد أسلحة الشرطة التي يتباهى الأميركيون بانهم يقدمونها للبنان في حين ان كل المصادر الدولية تؤكد أن هناك خطراً أميركياً على تسليح الجيش اللبناني بأسلحة فعالة لمجابهة العدوانية الاسرائيلية.

ما يجب أن يشجع كل القوى السياسية اللبنانية على المطالبة باستمرار حزب الله للدفاع عن لبنان واللبنانيين من كل الطوائف ومصادر ثرواته.


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Tuesday, 1 September 2020

مهلاً… السيد الرئيس ماكرون!


د. عدنان منصور

دعني أناديك اولاً بالسيد الرئيس، فأنتم في بلادكم اليوم، لا تعرفون الألقاب التي أدمنّا عليها هنا في لبنان منذ عقود وقرون، فبلادكم العظيمة الآن أكبر من الألقاب، والشكليات والتفاهات التي تعطى وتزيّن في بلدنا جباه الحكام والزعماء النرجسيّين، المغرورين، الفاشلين، التافهين، حيث لم نترك لقباً إلا واستخدمناه واستنبطناه، من بيك إلى أمير إلى شيخ، إلى رئيس وسيادة وفخامة وعطوفة، ودولة، ومعالي، وسعادة، وكلّ الألقاب الطنانة الرنانة، التي تبيّن مدى تعلقنا بالقشور والتصنيفات المريضة التي تعكس العقول المحنّطة الفارغة، لمسؤولين تعاقبوا على الحكم، لم يستطيعوا ان يبنوا دولة إلا على شاكلتهم وطرازهم القبيح.

السيد الرئيس ماكرون!

بعد مائة عام من لبنان الكبير الذي أنشأه مندوب فرنسا السامي هنري غورو عام 1920، سترون الإرث الذي تركتموه للبنان، وأيّ لبنان الذي لا يزال يعاني ونعاني معه من تداعيات قرار فرنسا، الدولة العلمانية التي أطاحت بالسلطة الروحية، لتؤسّس في لبنان أسوأ نظام طائفي بغيض، يفرّق ولا يوحّد، يضعف ولا يقوّي، يؤجّج على الدوام الغرائز والنعرات، ويثير الهواجس والمخاوف والحساسيات، ويدفع بكلّ طائفة ان تجعل من نفسها مقاطعة او دويلة او إمارة هزيلة، تبحث عن ذاتها، ومصالحها الضيقة، ومستقبلها الوهم، وإنْ تعارض ذلك مع مصالح الآخرين. أردتم من انتدابكم ان ينضج لبنان واللبنانيون ليكونوا مؤهّلين لحكم أنفسهم اليس كذلك؟! قولوا، أيها السيد الرئيس، للذين ستلتقون بهم بعد مائة عام على الانتداب، وبعد سبعة وسبعين عاماً على الاستقلال، ما الذي فعلتموه للبنان وشعبه؟! ما الذي حققتموه له من عدالة وعيش كريم! منذ مائة عام كانت بيروت تنعم بالنظافة والكهرباء، وبعد مائة عام تنعم بالتقنين والنفايات. قبل مائة عام، سكة حديد تجوب لبنان، واليوم موظفون في سكة حديد لا قطار لديهم. منذ مائة عام مياه شرب وخدمة تصل للبيوت، واليوم ترى المياه تسقط على رؤوس العطاش! منذ مائة عام كانت للدولة سلطتها وهيبتها، وكان للقوانين وقعها، وللسلطة القضائية مكانتها وقيمها ونزاهتها، وبعد مائة عام، تجد أيها السيد الرئيس، اضمحلال دولة، وترهّل إدارة، وفساد حكام ومسؤولين، وانهيار قضاء، وعبث بالدستور والقوانين دون رادع او محاسبة، وفساد قلّ نظيره في دول العالم، ينخر في جسم الدولة البالية، يطال الكبير والصغير، بلا خجل أو ذرة حياء. بل على العكس، ذهبوا بعيداً في وقاحتهم ليتباروا على الملأ، ببذخهم وإنفاقهم، وبثرواتهم الخيالية التي حققوها على حساب دم وعرق ودموع وجنى عمر اللبنانيين. جعلوا من الإدارات العامة صناديق مال، ونهب، ونفوذ، واستغلال، ومنفعة، وتنفيع، بحيث غابت التراتبية الإدارية والمسؤولية، فلكلّ طائفة موظفيها، ولكلّ أدارة محاسيبها، وحاشيتها وخصوصيتها وصندوقها الأسود، ولكلّ سلك أباطرته وخيوطه ودهاليزه.

بعد مائة عام، السيد الرئيس، ستجدون في لبنان الأعاجيب، وكأنّ الزمن يدور الى الوراء، الجامعات طائفية، المدارس طائفية، المناطق طائفية، المصارف طائفية، المستشفيات طائفية، الفنادق والمطاعم طائفية، السوبرماركات طائفية، الأحزاب والأندية طائفية، المنتزهات طائفية، حتى الأفكار والتوجهات والأحلام والصداقات طائفية!

فأيّ وطن طائفي، السيد الرئيس، هو هذا الوطن الغريب العجيب الذي أرادته فرنسا العلمانية للبنان! هل تكفي نصائحكم اليوم، وتوجيهاتكم وتحذيراتكم، وتنبيهاتكم، وتمنياتكم، ومساعيكم، واهتماماتكم ومساعداتكم، وغيرة الأمّ الحنون على أبنائها، جراء طبقة فاسدة متأصّلة من الزعماء والحكام، لم يكونوا يوماً على مستوى التحسّس الإنساني وتطلعات الوطن وآمال الشعب، ولم يتحلوا بالمسؤولية الوطنية ولو بحدّها الادنى، لبناء دولة عصرية قادرة، توفر فرص العيش الكريم لكلّ أبنائها، وتحقق التنمية المستدامة على كامل التراب اللبناني، بمعزل عن الدين والطائفة والمذهب والإنتماء السياسي والعقائدي!

السيد الرئيس!

لا يمكن للطبقة الفاسدة المستهترة، التي حكمت لبنان منذ عقود، ولوّثت أياديها بالصفقات والاختلاسات والهدر، والسرقات، وتهريب الأموال العائدة لـ «الدولة»، والاستيلاء على أموال المودعين، والتي نشرت الفساد وجعلته عرفاً يتوارثه الفاسدون والمفسدون، وأطاحت بمقوّمات الإدارة والقضاء والمؤسسات، هذه الطبقة لا يمكن لها مطلقاً ان تبني وطناً، أو أن تستمرّ، أو أن تجد بعض الحلول للمشاكل التي أوجدتها، والتي جعلت منها الآمر والناهي في كلّ صغيرة وكبيرة. انه أخطبوط طائفي ولد ووجد من أجل خدمة طبقة متراصّة من كلّ الطوائف، جثمت على صدر اللبنانيين منذ إنشاء لبنان الكبير وحتى اليوم.

ڤأيّ إصلاح ترغبون أن تعتمده هذه الطبقة الفاسدة! انه سلوك أهوج منحرف، تأصّل في عقلها ونهجها وأدائها وممارساتها، ولن تتوقف أبداً عن السير في طريقها.

السيد الرئيس!

عذراً إذا قلت بصراحة، إنّ الحلّ لا يأتي من فرنسا التي نقدّر، ولا من غيرها. الحلّ يأتي من اللبنانيين وحدهم، عندما يدركون جميعاً ببصيرتهم ووعيهم وإدراكهم، أنّ لبنانهم الكبير، على شفير التحلل والانهيار، وأنّ الإطاحة بهذه الطبقة أصبح أمراً ملحاً وضرورياً، وأساساً لأيّ إصلاح أو تغيير، لأنّ الترميم لا ينفع بعد الآن، وأنّ البناء المتداعي الآيل للسقوط، أعمدته متصدّعة لا ينفع معها المهندسون وأدواتهم، إذ لا بدّ من هدمه اليوم قبل الغد حتى لا يسقط على رؤوس الجميع. وما دام التفكير الطائفي يطغى على النفوس، ويتحكم بالعقول، فإنّ خشبة الخلاص لهذا الشعب تبقى بعيدة عنها وان لوّحتم بها من بعيد أو لوّح بها الآخرون عن قريب!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وزير الخارجية والمغتربين الأسبق


فيديوات متعلقة


مقالات متعلقة


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Saturday, 15 August 2020

أيها اللبنانيّون… الإصلاح مستحيل فلا تعوّلوا على أيّة حكومة جديدة!

د. عدنان منصور

أياً كانت أسباب استقالة رئيس الحكومة حسان دياب في الظروف الخطيرة التي يمرّ بها لبنان، فإنّ الحقيقة المرة تشير الى أنّ البلد دخل في نفق مظلم، لا أحد يعرف مداه. حيث الانقسام العمودي داخل الحياة السياسية والشعبية اللبنانية، وما تحويه من أحزاب وأطياف وهيئات وفاعليات مدنية وروحية، تتعارض بشدّة في ما بينها فكراً، ونظرية، وسلوكاً، وأداء، وممارسة، لا يسمح لها وللأسف الشديد الانطلاق بدولة مدنيّة، عصرية، قوية شفافة، بمعزل عن تأثيرات القوى الخارجية على قراراتها، وأيضاً، عن الاختلاف الجوهريّ بين الأطراف المعنية، حول مفاهيم القوة والضعف، السيادة والهيمنة، حول الوطنية والخيانة، المقاومة والعمالة، حرية الاقتصاد وضوابطه، حول الفساد والسرقة والاحتكار، حول الانتماء القومي والتعصب الطائفي، حول الانفتاح والانعزال والحياد، وتحديد وفرز الصديق عن العدو، بالإضافة الى العديد من المسائل والقضايا الإقليمية والدولية الحيوية الحساسة، التي تطرح نفسها بكلّ قوة على الساحة اللبنانية، والتي تفرز في كل وقت، الاصطفافات والتحالفات، والتجاذبات، والولاءات، والعداوات على أوسع نطاق .

إنّ استقالة الحكومة لن تُخرج لبنان من النفق المظلم الذي هو فيه، ولن تحلّ مشاكله المستعصية أيّة حكومة جديدة بسهولة وكما يتمناه اللبنانيون، لأنّ التغيير في لبنان لا يأتي من القاعدة الشعبية كما يتوهّم ويتصوّر البعض،

خلافاً لكلّ التغييرات الجذرية في الحياة السياسية التي شهدتها دول في العالم، عانت ما عانته من طغيان وفساد واستبداد الطبقة السياسية الحاكمة في بلدها. أما في الحالة الفريدة التي يعيشها لبنان، نقول: إنّ التغيير إنْ لم يأت من القمة وتحت الضغط الشعبي الجامع الموحّد، فإنه من الصعب انْ لم نقل من المستحيل تحقيقه. لأنّ الانقسام الداخلي، بين الطوائف والأحزاب داخل القاعدة الشعبية العريضة، شئنا ام أبينا، تتحكم فيه الغرائز الطائفية والمذهبية والعقائدية، والإقطاعيّة السياسية والمالية، والمناطقية، والعشائرية، والعائلية. هذا عدا الكراهية، والحذر والخوف، والتعنّت، والتحجر الفكري. هذه الغرائز جميعها تنسحب على تصوّرات المعنيين بالشأن اللبناني، حول مفاهيم الدولة الوطنية القومية الجامعة، ودستورها، ونظامها، وأسسها. إلا أننا نجد في الوقت ذاته، وفي مجال آخر، تماسك المنظومة السياسيّة الفاسدة القابضة بكلّ قوة على الحكم، وفق استراتيجية جامعة لها، تحول دون الانقسام داخلها وإنْ اهتزت المواقف من حين الى آخر، بحيث إنّ التركيبة الفريدة على صعيد الحكم، تتيح للطبقة السياسية القابضة، ان توزع الأدوار في ما بينها بشكل ذكي، شرس وخبيث، وإنْ اختلفت أحياناً في ما بينها، بحيث تحمي نفوذها، وتعزز من هيمنتها، وتتبادل الأدوار، داخلها بين المعارضة والموالاة، من دون ان تفسح المجال لأيّ إصلاح أو تغيير، ان يتسلل الى داخل منظومتها السياسية والمالية والاقتصادية، وبالتالي بناء الدولة العصرية المقتدرة. لذلك نرى انه ومنذ استقلال لبنان وقبله، وحتى اليوم، كان الشعب في مكان، وكانت الطبقة الحاكمة وسلطتها، بكلّ أطيافها السياسية والطائفية والمالية والاقتصادية في مكان آخر.

هكذا نجد أنه رغم كلّ المحاولات والمطالب، والتحركات الشعبية على مدى عقود طويلة، لم يستطع الشعب أن ينتزع من السلطة الحاكمة، مكسباً وطنياً مهماً ينقل لبنان باتجاه الإصلاح الفعلي، والدولة الواعدة، والقضاء العادل المستقل، واحترام حقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، والحوكمة الرشيدة.

إذ إنّ الطبقة الحاكمة بجناحيها الزمني والروحي، التي أناط بها المواطنون مستقبلهم وأمور حياتهم، تحوّلت تدريجياً مع الوقت بسبب استحالة ضخ دم جديد في هياكل الحكم، الى طبقة ديكتاتورية، قابضة على مؤسسات الدولة والنظام بكلّ شراسة، مع ما يرافقها من فساد واحتكار، واستبداد، غير مكترثة بمطالب الشعب وحقوقه، وبناء دولة القانون والمواطنة، وغير عابئة بحماية الوطن، وصون سيادته ووحدة أرضه، وتعزيز قوته في وجه العدو الإسرائيلي الدائم المتربّص به.

إنّ استقالة حكومة وتأليف أخرى، لن ينقذا وطناً او شعباً كما يتصوّر الذين أسقطوا وأطاحوا حكومة حسان دياب، وتصدّوا له منذ اليوم الأول لتأليف حكومته، ولن يتحقق التغيير الذي يريده المواطن اللبناني الشريف مع حكومة جديدة، طالما انّ البديل لن يكون غريباً، وخارج المنظومة السياسية التي عانى منها الشعب اللبناني وإنْ تغيّرت الوجوه. فالسلوك يبقى هو هو، ولن يتبدّل، ومنظومة الحكم هي هي، ولن تعدّل نهجها وسلوكها.

فهل كتب على هذا اللبنان المعذب، ان يظلّ أسيراً في يد منظومة سياسية فاسدة فاشلة بكلّ المقاييس، أم انّ القدر سينعم على هذا البلد بنخبة تخرجه من مأساته التي طالت وتجاوزت الحدود؟!

لا يعوّل ايّ شخص على اتفاق دولي يخرج لبنان من محنته، لأنّ أيّ تسوية بين الأطراف ستكون مؤقتة، ولن تجلب الترياق له، بل ستكون مسكّناً لفترة قصيرة، لأنّ الخلاف الأساسي الجوهري بين المحورين اللبنانيين، يرتبط بالمقاومة ودورها وسلاحها، وهي بالتالي المستهدفة من الخارج . فعلى أيّ أساس ستتمّ المعادلة التوفيقية بين أطراف الصراع في الداخل والخارج ولمصلحة من؟ وعلى حساب مَن؟

لا أحد يشكّ في انّ التغيير والإصلاح في لبنان، يُعتبر من المعجزات، طالما انّ الانقسام الحادّ هو السيد داخل بيت الشعب المتصدّع، المحكوم قهراً، بينما وحدة المصالح والامتيازات قوية، موحدة، ومصانة داخل الطبقة الحاكمة المهيمنة، التي تمسك بالمفاصل القوية الحساسة لأجهزة الحكم كلها دون قيد أو شرط وهذا ما تبيّن جلياً على الأرض .

أعداء الأمس هم أصدقاء اليوم، وأصدقاء اليوم هم أعداء الغد، لا شيء يتغيّر في سلوكهم ومفهومهم وممارستهم وأدائهم، وإنْ تغيّر شكلاً وتكتيكاً، ليبقى في ما بعد النظام وأدواته ومؤسساته في قبضتهم…

لكن ماذا عن الفريق الآخر في ظلّ حكومة “وحدة وطنية” أو سياسية الأقطاب يجري الحديث عنها، وثوابته حيال المقاومة وسلاحها، ومواقفه من التدويل، والحياد، والتعاطي مع الغرب والشرق، والالتزام بقضايا المنطقة، ورفضه الابتعاد عن محيطه، وتمسكه بحقوقه لجهة المنطقة الاقتصادية الخالصة، وترسيم الحدود البرية والبحرية، ورفض صفقة العصر، ومواجهة العقوبات الأميركية، الهادفة الى تطويقه ومحاصرته، ونزع سلاحه! عقوبات تتناغم مع البروباغندا الداخلية والخارجية من قبل خصوم الأمس، بشأن سيطرة السلاح، وهيمنته على البلد والتحكم بقراره ومصيره، و.. و..

مسكين هذا الشعب اللبناني المحكوم بطبقة حاكمة تستنسخ نفسها عند كلّ أزمة خطيرة واستحقاق، آثر بإرادته أن لا ينفصل عنها، وعن زعمائها، يرضخ لها ثم يثور، يستزلم لها وبعد ذلك يصرخ من الجوع، يفدي زعيمه بروحه ودمه ثم يطالب بالحقوق، يبيع صوته الانتخابي بحفنة من الليرات، وبعدها ينتفض ويغضب من الجور… يترك اللصوص الذين سلّطهم عليه بإرادته، يسرقونه، ينهبونه، يفلسونه ويجوّعونه، وبعد ذلك يسبّهم، يلعنهم ويشتمهم، بعد أن يفور .

إنّ التغيير في لبنان يُعتبر من المعجزات. فهل يسجل الشعب اللبناني في تاريخه ولو لمرة واحدة معجزة تطيح بأفسد وأسوأ طبقة سياسية جثمت على صدره، منذ ان حصل لبنان على استقلاله، ام انّ عصر المعجزات عند الشعب اللبناني قد ولى إلى غير رجعة، وأنه كتب عليه البقاء في النفق المظلم الذي حفرته له طبقة ظالمة، عرفت كيف تتعاطى معه، وتخدّره وتروّضه وتمتصّ دمه حتى النفس الأخير !

أيها المواطن اللبناني، استفق من غيبوبتك، واعلم جيداً ان لا أحد من منظومة القهر السياسية، يريد بناء دولة وتحقيق الإصلاح الذي تريده ويريده كلّ اللبنانيين. أدوار قذرة يتبادلونها ضمن فريق واحد على ملعب واسع، لستَ عندهم الا كرة يتقاذفون بك، على مساحة الوطن المنكوب.

وزير الخارجية والمغتربين الأسبق


River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Thursday, 23 July 2020

لماذا الحياد الآن؟




مبادرة الحياد التي دعا إليها الكاردينال بشارة الراعي، تجد صعوبة في تسويق شروطها على المستوى اللبناني، كآلية تنقذ لبنان من الحصار الأميركي – الغربي عليها. فتذهب في اتجاه محاولة إلغاء الانتصارات التي حققها الشعب اللبناني ممثلاً بحزب الله منذ العام 1982 وحتى 2019.
هذا واحد من جوانبها، لأنّ الثاني يستلهم الجانب الأول معتبراً أنّ تحالف التيار الوطني وحزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية، لم ينجح في بناء منطق سياسي محايد، ما يتوجّب عليه الانسحاب من الحكم، بما يؤدّي إلى عودة سعد الحريري والقوات والكتائب والسيد علي الأمين وجنبلاط إلى إدارة الحكومة ومعهم بعض الشيعة المتساقطة من رحلة المسير نحو… الكرامة.
أما الجانب الثالث فيرتبط بتصحيح العلاقات الخارجية للدولة، على نحو يؤسس لانصياع كامل وفق ما تريده مبادرة الكاردينال الحيادية.
هذا يتطلب الإجابة عن السؤال الأساسي «لماذا المبادرة الآن؟».
وسرعان ما يجيب المنطق ببراءة حمل وديع أن إطلاقها متزامن مع تراجع أميركي في الشرق الأوسط ومحاولات أميركية لابتكار آليات جديدة لعرقلة القوى الصاعدة في الشرق الأوسط.هذه القوى تبحث في لبنان عن تحالفات اقتصادية مع محاور صينية وعراقية وإيرانية بديلاً عن الاقتصاد العربي المتلكئ
حالياً في دعم لبنان إلى درجة تركيب حصار خانق حوله.بالنسبة للبنان تحديداً، رأت مبادرة الكاردينال أن انتصارات حزب الله وصعود المحور الروسي – الإيراني، وإمكانية توجّه الاقتصاد اللبناني نحو الخط السوري – العراقي على الأقل أو الإيراني والصيني عند الضرورة القصوى، رأت خطراً على التبعية اللبنانيّة من 75 عاماً للنظام الغربي – الفرنسي – الأميركي.واعتبرت صعود حزب الله في الدولة اللبنانية مؤشراً على تراجع الوصاية الغربية على لبنان، وانكفاء القوى الداخلية المرتبطة بالحلف الأميركي – السعودي.
ولأن الكاردينال يعرف مدى الصعوبة التي تعترض طريق مبادرته للحياة، فاتجه لتغليفها بـ»عدائية لغوية» لـ»إسرائيل»، وهذا من اليقظة السياسية، لأن الفريق المحيط بنيافته يعرف أن تجميد أي علاقة مع محاور صينية – إيرانية – عراقية أو سورية، لا يعني إلا تأكيد النفوذ الأميركي – الفرنسي بمفرده.وهذا النفوذ يحاصر لبنان حالياً مصراً على واحد من أمرين:
إما خنق حزب الله، أو خنق لبنان.
فتشكل مبادرة الراعي الآلية الأميركية المطلوبة لتحقيق البديل من تراجعاتها الإقليمية.
إن خطورة هذه «الحياديّة» تظهر عند دفعها لكتلة 14 آذار لتسلّم الحكم أو لنصب حالة احتراب شعبي بين فريقين لبنانيين، ما يعطل الطابع السلمي للعلاقات بين اللبنانيين ودفع الخارج الأميركي – الإسرائيلي لشن حروب على حزب الله، فتبدو مبادرة الكاردينال «آلية أميركية جديدة» لتغيير نتائج الحروب المظفرة لحزب الله في جنوب لبنان وشرقه، والمعنويات الضخمة التي يحوز عليها من مجابهاته للإرهاب في ميادين سورية.لذلك تذهب المبادرة إلى أكبر كمية ممكنة من تحشيد داخلي ذي طابع طائفي.
إما أن تعود 14 آذار إلى الحكم، وإما أن تعود أيضاً إليها بواسطة تدخل عسكري إسرائيلي – أميركي، وإلا فإن الكاردينال يجهز سلاحاً خارقاً ثالثاً وهو عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات النيابية أو بالأكثريات الطائفية، كوسيلة للعودة إلى العلاقات الفدرالية بين الطوائف، وهذا طرح لا يكتفي بالفدرالية الدستورية بل يذهب مهرولاً مع كونفيدراليات في بلد تحتاج إلى مكبّر ضخم لتراه، بما يعطل الأدوار الإقليمية الداخلية للحزب، مؤسساً لعلاقات واسعة لبعض الكانتونات المحلية مع إسرائيل وبشكل حربي.
وهذا ما يجعل من مبادرة الحياد للكاردينال الراعي محلية في لبنان وسورية أيضاً، وبذلك يتأكد من اندراجها في إطار الآليات التي يريد الأميركيون أن تمنع تراجعهم في الشرق وتعرقل في آن معاً الصعود الإيراني – السوري – العراقي واللبناني المتعلق بحزب الله.
فمن كان يتصوّر أن نيافة الكاردينال يعلق بأنه لا يلتزم بأي أكثريات نيابية أو شعبية، ما يدفع إلى التساؤل التالي عن ضرورة هذه الانتخابات وبناء الأكثريات الشعبية طالما أن بكركي لا تعترف بها، وتكمل مسيرة العلاقات الحاسمة بين طوائف وعلى مستوى مراكزها الدينية الأساسية.
مبادرة الراعي إلى أين؟
تحمي هذه المبادرة بشكل إضافي الطبقة السياسية اللبنانية ومجمل النظام الطائفي.
أولاً تحاول إبعاد الصراع الداخلي عن الطبقة السياسية باختراع مادة خلافيّة جديدة لا تفعل إلا إنقاذ مئات السياسيين الذين أفلسوا لبنان ورهنوا بمئات مليارات الدولارات.
فاليوم يبدو القسم الأكبر من المتورطين بالفساد زاحفين إلى مقر الكاردينال الصيفي في الديمان لإعلان ولائهم له ولمبادرته في مرحلة كان يعتقد المحللون أنها مرحلة استعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة النظام السياسي لإنتاج نظام جديد غير طائفي ويبتعد عن الزبائنيّة.
لكن مبادرة الكاردينال تلعب دوراً كبيراً في حماية النظام السياسي من جهة والعلاقات السياسية التي يجب أن تستند إلى الطائفيّة حصراً.
هل تنجح مبادرة الراعي؟
موازنات القوى الفعلية لا يمكن شطبها بتحريض ديني مستهلك ولا بإشعال تحالفات سقطت في العقدين الماضيين بالانتخابات من جهة والانتصارات على الإرهاب من جهة أخرى، وتماماً كما تراجع النفوذ الأميركي في معظم دول الشرق فإن وضعه في لبنان أسوأ من حالته في العراق وسورية، ففي بلاد الأرز تمكن التيار الوطني الحر بالتحالف مع حزب الله وحركة أمل والأحزاب الوطنية من رعاية سياسة معتدلة تمنع وضع البلاد في خدمة الغرب الفرنسي والأميركي، بما يؤكد أن إنهاء مبادرة الكاردينال لا تتطلب الكثير من الجهد، كما أن الانفتاح على الصين وروسيا والعراق وإيران وسورية، ليست سياسة شرقيّة بل استدارة نحو مصادر بوسعها مساعدة لبنان على الخروج من عملية الخنق الأميركية التي تتم بوسائل مصرفية ومبادرة الراعي في آن معاً.
مقالات متعلقة

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Wednesday, 22 July 2020

مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟




يبدو أن ثمّة مَن لفت نظر البطريرك بشارة الراعي إلى أن ما نصحه به مستشاروه لتبنّي الدعوة لإعلان حياد لبنان، كإطار لسياساته الخارجيّة والدفاعية يصادق عليه مجلس الأمن الدولي، وفقاً لمقتضيات الحياد في القانون الدولي، يمثل استحالة قانونية قبل الحديث عن التأييد والرفض للاعتبارات الوطنية والسياسية، فأدخل عليه تعديلاً أسماه بالحياد الإيجابي الذي يستثني «إسرائيل»، فصارت دعوته هرطقة قانونيّة، وأيضاً بمعزل عن القبول أو الرفض لهذه الدعوة بالمعايير الوطنية والسياسية، فمن ورّط البطريرك بدعوة لا أفق لها وكل تبشير بها يضعف مكانة بكركي وسمعتها الجدية وسمعة البطريرك الموصوف بالأناة والتبصّر وحسن التدبّر؟
الحياد الذي دعا إليه البطريرك للوهلة الأولى ليس هرطقة قانونية وموجود في نماذج كسويسرا والنمسا، لكن موجباته اللبنانية كي يصير وارداً اكتمال شروطه بعيون القانون الدولي ومعايير الحياد، تستدعي مساراً يصل الأمل بتحقيق أهدافه إلى الصفر المكرر، وانتظاراً وسعياً خلال عشرات السنين المقبلة من دون توقع أي تقدّم، إلا بعد حل الصراعات الكبرى في المنطقة، ما لم ينفجر لبنان الداخلي على إيقاع هذه الدعوة بعد اكتشاف ما تستدعي من موجبات، وما لم يرافق هذا الانتظار ما يجعل الدعوة وموجباتها، مدخلاً لتفتيت وحدة اللبنانيين، والأهم أن من يتعرّف على الموجبات اللازمة للتقدّم قانوناً بطلب إعلان حياد لبنان سيفضل حكماً البقاء على الوضع الحالي، لأنها موجبات المستحيل.
لا تقبل طلبات دولة لإعلان حيادها وهي في حالة حرب، ونزاع حدودي، ومن دون موافقة جيرانها وفقاً لحدود واضحة تمّ ترسيمها وإيداع خرائطها لدى الأمم المتحدة، ولا يقبل طلب دولة عضو في منظمة إقليمية لها امتدادات قانونية وموجبات ذات صفة تشبه الأحلاف العسكرية، ولا يقبل طلب دولة لا تعتمد في تعاملها مع قضايا اللجوء وفقاً لمعايير الأمم المتحدة، وهذا كله يعني أن على لبنان إنهاء نزاعه مع كيان الاحتلال، بما في ذلك حسم مصير اللاجئين الفلسطينيين بين الاتفاق على عودتهم أو توطينهم، وترسيم بري وبحري مُنجز للحدود، والتوصل مع سورية إلى اتفاق على حياد لبنان تلغى بموجبه المعاهدات المشتركة ذات الشق المتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، وترسيم كامل للحدود معها، وحسم مصير النازحين السوريين، بين عودة أو توطين، وتراضي كل من سورية وكيان الاحتلال، على حياد لبنان كدولة مجاورة، وإعلان انسحاب لبنان من جامعة الدول العربية، والهوية العربيّة للبنان، وتعديل الدستور لهذه الجهة، وإدخال مواد تتصل بالحياد في الدستور، بما فيها الاستعداد لتطبيق معايير الأمم المتحدة على قضايا اللجوء، خصوصاً لجهة تعديل قانوني الجنسية والملكية.
إعلان حياد لبنان مستحيل قانوناً بدون حل إقليمي شامل للصراع مع كيان الاحتلال، بما في ذلك بين سورية والكيان، وحل شامل متفاهم عليه للقضية الفلسطينية، وهو رغم كونه كمشروع مستحيل، إلا أنه قابل للتحول في السياسة إلى سعي لإعلان حرب متعدّدة الأشكال مع سورية والفلسطينيين، لو سلمنا بأن أياً من اللبنانيين لم يسجل اعتراضاً على المشروع ونزل الوحي على اللبنانيين بكلام البطريرك وصرخوا بصوت واحد أمرك سيدنا، وأن حزب الله قام من الصباح الباكر بتسليم كل سلاحه للجيش اللبناني، فأين يكمن ما يدّعيه فيه أصحابه من خير على لبنان ما دامت موجباته بحجم حلّ كل أزمات العالم قبل أن يبصر النور؟
أما بدعة الحياد الإيجابي التي تستثني كيان الاحتلال، فهي إعلان سقوط لدعوة الحياد، ومجرد مخرج كلامي لنعي الدعوة للحياد، لأن لا شيء اسمه في القانون الدولي حياد إيجابي واستثناء، لتصير الدعوة المعدلة، مجرد كلام إعلامي ودعوة سياسية لبث الروح في الجسد الميت لنداء بعبدا في أيام الرئيس السابق ميشال سليمان، والنأي بالنفس، أي الانتقال عكساً من إطار قانوني دولي ملزم للخارج، إلى خطاب محلي سياسي يخاطب الداخل، فيصبح مجرد عودة للتمني على الأطراف الداخلية أن تخفف من درجة تورطها في المحاور الإقليمية، تجنيباً للبنان لتداعيات هذا التورط، وهو مسعى يطال طرفين رئيسيين أكثر من سواهما، حزب الله كحليف رئيسي لإيران، وتيار المستقبل كحليف رئيسي للسعودية، ولو نزعنا عن قضايا المنطقة ومحاورها صلتها الفعلية بالصراع مع كيان الاحتلال، وجعلناها مجرد صراعات نفوذ بين محاور، فهل يمكن لصاحب الدعوة التطلع لتأثير خطابه الأبوي على طرفين داخليين، بينما يقوم بشيطنة أحدهما وتحميله مسؤولية الخراب واتهامه بالهيمنة، مقابل التحالف مع الفريق الآخر في التوجّه لمحور دولي إقليمي مقابل كمحور حليف يكون الخير في استرضائه؟
مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟
عملياً ووفق السياق الذي تحركت فيه الدعوتان، الأصلية والمعدلة، وقعت الدعوة الأصلية في مكان يدعو لترجمة شروط ومطالب فريق خارجي له امتدادات لبنانية يرفض عروبة لبنان ومن خلالها عضوية لبنان في الجامعة العربية، ويطلب الضغط على سورية لترسيم الحدود وإلغاء المعاهدات الموقعة معها واستبدالها بما ينسجم مع إعلان حياد لبنان، ويدعو لتوقيع معاهدة سلام مع «إسرائيل» ولقبول الطلب «الإسرائيلي» للترسيم، بصفتها شروطاً للحياد القانوني، ولا يرى مشكلة في توطين النازحين السوريين ولا توطين اللاجئين الفلسطينيين. وهذا عملياً يعني تبنياً لمواقف محور من محورين متقابلين في المنطقة حول لبنان، وليس الحياد بينهما. ووقعت الدعوة الثانية المعدلة بترجمتها في خطاب البطريرك، في مكان تبني حلف دولي إقليمي وامتداده الداخلي، في مواجهة فريق داخلي وتحالفاته الخارجية، وصارت الفائدة الوحيدة للدعوتين هي في كونهما أظهرتا بانحيازهما، أن لبنان يقف حالياً في منطقة حيادية بين المحورين المتقابلين، والمطروح نقله إلى منطقة الانضمام إلى أحد المحورين، فالدولة كدولة بمعزل عن قناعات رموزها في الرئاسات وسواها تراعي المحور الذي تدعو المبادرتان للانضمام إليه، رغم أن الرئاسات محسوبة نظرياً على المحور المقابل، ويكفي لتبيان ذلك قياس حرارة وحيوية التواصل والزيارات مع كل من عواصم المحورين، ودرجة الاهتمام بالوقوف على رأي كل من عواصم المحورين في القرارات السيادية والسياسية والاقتصادية للدولة.
فعلاً مَن حفر هذه الحفرة لبكركي؟
مقالات متعلقة

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Friday, 17 July 2020

«حياديّة» البطريرك و«مدنيّة» المفتي والناس جياع…!

الجمهورية | هذا ما دار خلال لقاء الراعي وقبلان





صمت أهل الدين دهراً طويلاً مفاسد أهل السياسة حتى انهارت البلاد وجاع العباد، ونطقوا شعراً في زمن يتطلّب قراءة علمية في ما يحتاج إليه اللبنانيون من سياسة وطنية تحفظهم في بلدهم مع نظام اقتصاديّ يطيل أعمارهم ببركات الاستيراد الممكن وأهل الدين.
هذه مقدّمة رسالة لأصحاب الغبطة والسماحة كي يرأفوا بالدنيا، التي تشكل في العمق رعاياهم من الناس وعلاقة هؤلاء بالسياسة من جهة وتأثير الغيب عليهم من جهة أخرى.
لذلك فلبنان الآن في قعر بئر سحيقة يرى في أعلى فوهتها اختفاء السلم الذي يستطيع بواسطته الخروج إلى الضوء الاقتصادي – السياسي، فيما تُلّوح له في الأعلى أيضاً اقتراحات بأن خروجه من البئر يتطلب حسب المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان قبولاً بمدنية الدولة، وسط منافسة من بيرق آخر برفعه الكاردينال الماروني بشارة الراعي يطرح حيادية لبنان الذي كان سويسرا الشرق، على حد تعبيره.
هناك مشهد ثالث لانهيار اقتصادي ساحق يؤسس لتدمير كامل الدولة وصولاً إلى تفجير الكيان السياسي نفسه.
المشهد الرابع هو سلاح حزب الله الذي لا يتميّز بدوره الاقتصادي إنما بدوره الوطني داخلياً وإقليمياً.
فعندما عجزت حيادية لبنان في زمن سويسرا الشرق عن وقف الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وصولاً إلى عاصمته بيروت، كان السلاح الوطني هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على لبنان الحياة، وعندما احتلّ الإسرائيليون الجنوب 18 سنة متواصلة حتى العام 2000، لم يطردهم من هذه المنطقة إلا سلاح حزب الله.
كما أن هذا السلاح نفسه هو الذي ردع العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006.
للمزيد من التوضيح، فإن أهل هذا السلاح أسرعوا لمحاربة الإرهاب في مدى سوري – لبناني عندما استشعروا خطراً على الاجتماع السوري – اللبناني – العربي، بكل فئاته وألوانه.
ويقاتلون حتى اليوم في أنحاء سورية والعصيّ من جرود لبنان، منظمات إرهابية هي الأخطر من نوعها.
لذلك ما كان ممكناً على هذا السلاح أن يكون حيادياً في تلك المرحلة، أو ساعياً وراء تركيب دولة مدنية في لبنان، لأن مصدر الخطر كان يشمل كل الوطن بكيانه ودولته ونظامه السياسي وشعبه.
ولم يكن هناك وقت كافٍ للاهتمام بمشاريع تغيير فعلية في التفاعلات السياسية الداخلية.
بالمقابل كانت الطبقة السياسية الداخلية تمسك بالنظام السياسي بمختلف إداراته وأمواله حتى الخنق الكامل وسط تغطية من الإقليم الخليجي والعربي والخارج الأميركي – الأوروبي.
فتشكلت أكبر عمليات سرقة متواصلة لثلاثين عاماً الأخيرة، وكان التقاطع في حينه بين النظام السياسي والقيادات الدينية عميقاً إلى درجة أن مفتيين يمنعون التغيير والإدانة مهما كانت تافهة ويرسمون خطوطاً حمراء حول استهداف أي فاسد، كذلك فإن تغيير أي موظف من كبار الفاسدين لا يزال يلقى رفضاً من أهل الكهنوت والحريرية السياسية والسفيرة الأميركية. هذا إلى جانب استعانة الدين بالزعماء السياسيين كي يستطيع مثلاً مفتٍ تولي منصب ديني كبير وتوريث ابنه كمفتٍ على طائفته.
هذه أمثلة بسيطة على العلاقات الحميمة عند كل المذاهب والطوائف بين قياداتها السياسية والدينية التي لا تزال حتى اليوم تؤمن التغطيات لبعضها بعضاً.
لكنها تفعل كحال بعض السياسيين الذين تركوا المركب السياسي القابل للغرق كي لا يتحملوا مسؤولية استقراره في أعماق الهاوية، وهم ينتظرون الآن إنقاذ المركب بواسطة حكومة حسان دياب للعودة إلى رئاسة الحكومة وعضويتها، وهذا من عجائب الأمور.
لكن ما طرحه الكاردينال الراعي والمفتي قبلان، هي من الأمور المطلوبة بقوة لأن حياد لبنان ضروري لنيله مساعدات دولية.
لكن نسأل عن اتجاهات هذا الحياد؟
فإذا كان بين الصين والأميركيين، يكفي قولاً أن الصينيين اشتروا 3 تريليونات دولار سندات خزينة أميركية، ولديهم علاقات مع الأسواق الأميركية تتعدى 250 مليار دولار سنوياً.
فكيف يجيز الأميركيون لأنفسهم ما يمنعونه عن لبنان؟
وكيف لا يقبل الأميركيون بتجهيز الجيش اللبناني إلى حدود تسمح له بأداء أدوار وطنية، ويمنعون على لبنان التوجّه إلى أسواق السلاح الروسي؟
وما المانع من التعامل مع إيران بالليرة اللبنانية على مستوى استيراد مشتقات النفط والأدوية والسلع؟
فإيران متحالفة مع أقوى بنية سياسية لبنانية هي حزب الله، ولن يزيد عليها شيئاً إذا صدرت إلى لبنان أو لم تصدر إليه، وكذلك فإن دول العراق والكويت وقطر مستعدة لإغاثة لبنان لكن الأميركيين لا يقبلون.
وهذا يؤكد أن الحياد الذي يطالب به الكاردينال منطقي جداً، إلا أنه لا يتطابق مع السياسة الأميركية في لبنان التي تريد ربط لبنان بها، واستعماله للضغط على الجوار ورميه لقمة سائغة أمام «إسرائيل». وهذا ما تنبه إليه الراعي الذي أكد أن حياديته لا تشمل الكيان الإسرائيلي.
كما أن الكاردينال لم يقبل، وهذه دراية كبيرة منه بمحاولات الحريري والمشنوق والسنيورة وجعجع والجميل بتحويل اقتراحه حول حياد لبنان إلى حلف سياسي معادٍ للقوى السياسية في المقلب اللبناني الآخر.
وذلك في محاولة دقيقة منه لمنع الانقسام الوطني.
وهناك معوقات إضافية أمام اقتراح المفتي ومبادرة الكاردينال، فمشروع الدولة الوطنية يشترط إلغاء للدور السياسي للمواقع الدينية، وهذا لا يبدو أن المفتيين والبطاركة والمطارنة بصدد تبنّيه، فهم لا يقبلون وقواهم السياسية المرتبطة ترفض بعنف.
كما أن الحيادية التي يطرحها الكاردينال لا تقبل بها قوى 14 آذار إلا على أساس الارتباط مع السياسة الأميركية – الخليجية، في حين أن مبادرة الراعي تسعى فعلياً لحياد لبنان عن لعبة المحاور الدولية والعربية في إطار من التفاعل الإيجابي مع الخارج لإنقاذ لبنان.
وكان كثيرون يتمنون لو أضاف الكاردينال والمفتي فرماناً بإعلان سقوط هذه الطبقة السياسية التي دمّرت لبنان ولا تزال تنهش أطلاله وسط صمت تام من الدين والدنيا وتصفيق كبير من الإقليم والخارج.

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!

Tuesday, 16 June 2020

مرتزقة السفارات يُطلّون برؤوسهم من جديد!

د. عدنان منصور
أن يخرج العملاء والانتهازيون، والوصوليون، والمتعطشون للسلطة، والمنافقون الطائفيون المؤجّجون للنعرات المذهبية، من مرتزقة السفارات، وعملائها وجواسيسها، دفعة واحدة، يعزفون جميعهم على أوتار تنسجم بالكامل مع أوتار أوركسترا جهات دولية خارجية، متربصة بلبنان وشعبه ومقاومته، لإعطائها الضوء الأخضر، والدعم المطلق والصريح، لكلّ ما تريد أن تقوم به الولايات المتحدة من إجراءات، تنفذها حيال لبنان وشعبه، واقتصاده، ومقاومته، وتحديداً حزب الله وحلفاءه، فهذا سلوك ليس مفاجئاً او غريباً على هذه الجوقة السياسية.
إنّ مرتزقة السفارات، ما أن سمعوا بقانون قيصر، حتى انفرج حقدهم، وانفرجت معه أساريرهم، ليندفع كلّ واحد منهم، يتسابق ليصبّ جامّ غضبه على المقاومة وحلفائها، محمّليها المسؤولية، على ما وصلت اليه الأوضاع الاقتصادية، والمالية والمعيشية، والنقدية المتدهورة في لبنان، لتصل الوقاحة بأحد الوصوليين الانتهازيين المتعطشين للسلطة، المراهن على موقعه فيها مستقبلاً، ليذهب بعيداً في تصريحاته وتغريداته، وهو يطلّ على أبناء العاصمة بيروت، ليؤجج نار الفتنة المذهبية، ويعود بعقارب التاريخ الى 1400 عام مضى، ليثير النعرات الطائفية والمناطقية، وهو يحضّ أبناء بيروت على الانتفاضة، ويعلن النفير، ويدقّ ناقوس الخطر، مبدياً غيرته عليهم، تجاه «الجحافل» القادمة التي تهدّد بيروت!
لا يحقّ لأيّ عميل مهما علا شأنه أن يروّج لنفسه من باب إثارة الكراهية والضغينة في نفوس أبناء الوطن الواحد، مستنهضاً الدين والمذهبية والحساسية لتبخير وتعظيم مواقفه المشبوهة.
نقول لكلّ متذبذب انتهازي يناصب العداء للمقاومة،، تقلقه «الجحافل»: هل المقاومة مَن صادرت أرزاق وعقارات أبناء بيروت الشرفاء، وأفقرتهم وأبعدتهم ورحّلتهم الى خارج العاصمة، بعد أن ضاقت وسدّت أبواب الرزق عليهم من قبل حيتان المال والسلطة، وقوانين الاستملاكات للأملاك الخاصة، ليجدوا أنفسهم مكرهين للبحث عن أماكن أخرى يسكنونها، فكانت وجهتهم إلى عرمون ودوحة الحص والناعمة والدبية والسعديات والرميلة وصولاً إلى صيدا… ليقل لنا، هل يرضى أن ينعت سكان هذه المدن والقرى، الوافدين من بيروت وغيرها «بالجحافل»! فلماذا هذا الحقد الدفين، وهذه العنصرية القبيحة المتجذّرة في نفوسكم وعقولكم!
إنكم تحمّلون كلّ شيء للمقاومة، وترمون عليها فسادكم، وصفقاتكم، ونهبكم، وكلّ موبقاتكم، لتظرفوا صورتكم القبيحة أمام الناس، وتبعدوا عنكم الشبهات والتهم، ولعنات الجائعين المنهوبين المغبونين المهمّشين، التي تصبّ عليكم وتلاحقكم وأنتم في منامكم…
قولوا لنا يا مرتزقة السفارات، هل المقاومة وعناصرها وحلفاؤها، من أشعلوا الحرائق في الممتلكات، وتكسير المحال الخاصة والعامة، واستفزوا قوى الجيش والأمن ورموهم بالحجارة! وهل هم من أطلقوا الشتائم والسباب يميناً وشمالاً، واستهدفوا القوى الأمنية مباشرة بالمفرقعات! قولوا لنا، من حرّك وشغّل وموّل وحرّض الجماعات المشبوهة على قيامها بأعمال الشغب والفوضى العارمة، وزعزعة أمن البلد، واستقراره ووحدة شعبه! ومن هو الذي استقدم «الجحافل» التي قدمت من الشمال الى بيروت! وهل المقاومة هي التي فعلت ذلك!
قولوا لنا يا مرتزقة السفارات، يا مَن تريدون القضاء على المقاومة نهائياً وبأيّ وسيلة كانت، ما الذي فعلتموه لتحرير الأرض من المحتلّ الصهيوني! من منكم يجرؤ على القول أن لكم أشخاصاً شاركوا في تحرير الأرض من المحتلين! شهداء الأرض والأمة لا يشبهونكم مطلقاً. عجينتهم وجيناتهم الوطنية الخالصة، ومعدنهم، وولاؤهم للأرض والشعب، غير عجينتكم، ومعدنكم، وولائكم، وجيناتكم الممزوجة بجينات أسيادكم.
حراس الوطن والأرض لا يشبهون مطلقاً روّاد الجزر الترفيهية، وشواطئ العراة، وأندية القمار، ولا روّاد علب الليل، والراكضين وراء الصفقات، والسمسرات، والارتزاق، والنهب الواسع للمال الحرام، حيث يعاني البيروتيون، جراء هذا النهب، الفقر المدقع، والإحباط واليأس قبل غيرهم من اللبنانيين.
قولوا لنا يا مرتزقة السفارات! أيّ لبنان تريدون وتطمحون إليه؟! أنتم تريدون لبنان جمهورية موز، مستباحاً من قبلكم، ومن قبل أسيادكم، وكلّ العملاء العاملين والمرتزقة في صفوفهم. وما وضعنا الحالي إلا نموذج حي لما اقترفته أياديكم وأنتم تمارسون السلطة داخلها وخارجها.
قولوا لنا يا مرتزقة السفارات! أهي المقاومة التي فرّغت لبنان من ماله وثروته، وسرقت واستولت على ودائع وجنى عمر شعبه !
انّ من فرّغ عشرات الآلاف من سكان بيروت، تحقيقاً لمصالحه، ودفعهم الى مناطق أخرى، وإجبارهم على تركها بحثاً عن الرزق في بلدان الاغتراب، على استعداد في كلّ لحظة، ودون قيد أو شرط او تردّد، ان يعمل مع العدو، وينسّق معه على تفريغ لبنان من مقاومته، والمساومة على أرضه وشعبه.
يا مرتزقة السفارات، والمتعطّشين للسلطة، تريدون كلّ شيء، إلا الكرامة التي وفرتها المقاومة لكم وللوطن كله، وآثرتم طعنها والتخلي عنها، والتضحية بها في احلك الظروف.
لقد وجدتم في قانون قيصر ملاذاً رحباً لكم، حيث أعطيتم الأعذار للقانون بتصريحات حق، أريدَ منها باطل. لتقولوا للناس، إنّ هذا القانون ما جاء إلا كردّ فعل على وجود المقاومة وسلاحها، وسيطرتها على البلاد، ودعم حلفائها لها، ليطالبوا بعد ذلك، بخبث شديد، نزع سلاحها، وملاحقة قياداتها، وتتبّع تحركاتها، وفرض المزيد من العقوبات عليها، ومحاصرة المغتربين المتعاطفين معها، وتضييق الخناق المالي عليهم وعلى أعمالهم.
يا مرتزقة السفارات، تطالبون بتطبيق القرار 1959 و1701 وتغضّون النظر عن انتهاكات العدو لهذه القرارات يومياً! تطالبون بإقفال معابر التهريب مع سورية، ونشر قوات دولية على طول الحدود المشتركة، وتعربون عن نياتكم بالالتزام بقانون قيصر وعقوباته على سورية، وتتجاهلون تداعياته السلبية على لبنان واللبنانيين، وعلى اقتصاده وتجارته، جراء تعطيل رئته الوحيدة مع سورية.
إنكم قيصريون أكثر من قانون قيصر، وهمّكم الوحيد السلطة والمال والجاه، ولا شيء غيره، وإنْ أدّى هذا الى قطع رقاب اللبنانيين.
لم يجد العالم سلوكاً قذراً، أقذر من سلوككم، حيال مقاومة شعب، فيما حكام دول العالم وشعوبها، يعتزون ويفخرون ويتباهون بمقاومتهم، يغنونها ويردّدون نشيدها في كلّ مناسبة، إلا أنتم، تفضلون العيش وسط العمالة، والتبعية، والعيش بين الحفر، ومستعدّون لبيع الوطن والمساومة على قضاياه المصيرية، في سوق السياسة الداخلية والخارجية وشعابها، لقاء منصب او صفقة او سلطة، حتى إذا ما انتهى دوركم، ترككم أسيادكم على قارعة الطريق، بعد أن يكون قد أعطاكم حفنة من التقديمات، وأخذ منكم كرامتكم التي تعنيه هو ولا تعنيكم.
يا مرتزقة السفارات! ليست المقاومة هي علة الوطن وشعبه. كلّ العلل جاءت منكم، من سياساتكم، وسلوككم، من سرقاتكم وفسادكم واختلاساتكم، من عمالتكم وخيانتكم التي أدمنتم عليها، وتعايشتم معها، حتى أصبحتم لبعض السفارات، مرتزقة بامتياز تخدمون كالعبيد مصالح بلدانها، وتقضون بالتالي على المصالح العليا للوطن والشعب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*وزير الخارجية الأسبق.

River to Sea Uprooted Palestinian   
The views expressed in this article are the sole responsibility of the author and do not necessarily reflect those of the Blog!